رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تفكيك السلطة .. مناورة أم ضرورة

الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" ناقش في الأسبوع الماضي مع أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والأمناء العامين لفصائل المنظمة وأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح فكرة إلغاء اتفاق أوسلو واحتمال تفكيك السلطة وإيقاف التنسيق الأمني مع العدو.. وأقول: سواء كان تفكير السيد " عباس " في ذلك جديا كما يراه البعض أو مجرد مناورة تهدف للضغط على شركائه في عملية التسوية (و / أو) لصرف الاهتمام الداخلي عن الأزمات التي تمر بها حركته وسلطته كما يراها بعض آخر؛ فذلك يعد تحولا وانتقالا كبيرا يجب الوقوف عنده والتأمل في أبعاده إذ رجع الشعب الفلسطيني يناقش القضايا الكبيرة التي انصرف عنها لزمن..  لست أود اليوم الخوض في كل ما يتعلق بهذه العناوين الكبيرة وما عليها من ملاحظات واستدراكات وتحليلات فقد قتلت بحثا وتمحيصا وصار الاختلاف حولها ترفا الذي لا وقت ولا داعي له.. ما يهمني اليوم موضوع تفكيك السلطة خاصة وما يهمني منه بأخص الأخص أمران اثنان أجد من الضرورة تجليتهما وإزالة ما لا يزال يلفهما من الوهم والتشكيك وعدم وضوح الرؤية؛ أولهما: من هي السلطة وما المسار التراكمي والتحصيلي لها في ضوء ما قامت به وما يمكن أن تصل إليه بعيدا عن التهويل أو التهوين أو الإطلاقات العامة أو الاتهام أو التبرئة الجزاف من أجل استشفاف الدور الذي تؤديه ماديا وعمليا وحقيقيا ثم الحكم عما إن كان بقاؤها أو تفكيكها ضروريا.. الأمر الثاني: الرد على دعوى يروج لها من يدافعون عن بقاء السلطة ويكررونها " أن السلطة جسدت الشرعية الفلسطينية وأنها بذلك – أي السلطة – صارت مكسبا إستراتيجيا لا يجوز التفريط فيه أو التراجع عنه".  وأقول: أما بالنسبة لماهية السلطة والمسار الذي تسير فيه منذ وجدت، وإذا أدخلنا التفاصيل الصغيرة والأحداث الجزئية تحت عناوينها الكبيرة وأطرها العامة فتمكن ملاحظة ورصد أن هذه السلطة قد مرت بثلاث مراحل أرادها كلها الاحتلال، وأننا اليوم بصدد المرحلة الثالثة التي تأتي بالضرورة والترتيب المنطقي وبقياس الغائب على الحاضر والمستقبل على الماضي حصادا وتحصيلا للمرحلتين السابقتين.  المرحلة الأولى: هي المرحلة التي امتدت من بداية التسوية حتى اغتيال الراحل "عرفات" وكان من أهم أهدافها نقل الشرعية الفلسطينية من عرفات لتيار بذاته ممن أوجدوا حوله، ومن المنظمة بتفاريعها وتاريخها وأيديولوجيتها إلى حركة فتح الموطأة الأكناف و"المقصقصة" الجناح، ونقل الشرعية داخل فتح نفسها من جيل لجيل ومن رموز لرموز.. وقد اعتمدت هذه المرحلة أساسا على وجود عرفات واستغلال رمزيته وتركيب الشخوص "المقصودين" على كتفيه.. والظن أن الراحل لو فطن لخطورتهم ما قدمهم شبرا وما رفعهم على شعبه بقليل ولا بكثير..  المرحلة الثانية: ردأت بعد استشهاد عرفات مباشرة وكان من أهدافها نقل الشرعية الفلسطينية من داخل فتح إلى خارجها؛ إلى السلطة وإلى آخرين من فصائل صغيرة ومن شخصيات إما كانت مغمورة أو مشبوهة ثم تصفية الحساب بها مع فتح وحماس والمقاومة بمفاهيمها ورموزها وقياداتها ومؤسساتها وإعلامها؛ هنا يحضر الحديث عن أشخاص بأعيانهم ارتكز عليهم مشروع السلطة منذ استشهاد "عرفات" برزوا وصارت لهم أدوار واضحة وخاضوا صدامات مباشرة واستمروا في مواقعهم من دون قاعدة شعبية ولا تاريخ نضالي ورغم كل الرفض الوطني لهم.. في هذه المرحلة يأتي الحديث عن محاولة إدخال بعض هؤلاء لحركة فتح، وعن الانقسام الدموي بين غزة والضفة وعن تقاعدات قسرية لرتب الأمن الوطني وعن مساومة الثوار على أسلحتهم وليتحولوا لفنانين وممثلين على مسارح جنين والضفة وصولا بهم اليوم إلى السجون، وفي إطار هذه المرحلة أيضا تأتي الفضائح الكثيرة والمتلاحقة التي طاولت رموزا تاريخية في فتح كان ممكنا وطبيعيا التستر عليهم.  أما المرحلة الثالثة: التي يفترض أنها الحصاد والتطور الطبيعي للمرحلتين السابقتين والتي نحن بصددها اليوم فهي تكبيل القضية الفلسطينية وتغيير الثقافة وإشغال المواطن بلقمة العيش وصولا لإنهاء أي فرصة لدولة فلسطينية مستقلة.. من ملامح هذه المرحلة الثالثة وربما الأخيرة الجارية اليوم الترويج لثقافة أكبر رغيف خبز وأكبر طبق مسخن ومهرجانات العنب والرسم على الجدران والمباريات الرياضية وزيارات وتصريحات قادة في السلطة حول الحق التاريخي لليهود في فلسطين.. ومن ملامحها أيضا نشاط التهويد والاستيطان وتجاهل القدس.. إلخ.  هذه السلطة بهذا التشخيص لم تعد مجرد تجربة سياسة خاطئة ولكنها أصبحت نقيضا معاكسا وعنادا مشاكسا للشعب الفلسطيني وإنجازاته الثورية والتاريخية وصارت سوأة بين الثورات المعاصرة مهما قال في الدفاع عنها مستفيدون متسمنون أكلوا على عسابها وشربوا وتورمت أرصدتهم وأرصدة ذويهم.  كثير مما يقوله هؤلاء لا يقوم على ساق ولا يستند إلى منطق وما هو إلا صيغ إنشائية ودغدغات عاطفية وخلط للتمنيات بالتحليلات ولكن ثمة حجة يقولونها أرى أن أردها وأفندها لأنها من إلباس الحق بالباطل ومما يطول فيه لسانهم.. يقولون: يكفي أنه صار للشعب الفلسطيني بالسلطة شرعية وتمثيل رسمي في المحافل الدولية.. ويقولون: هذه الشرعية مطلوبة ويلتقي عليها الجميع بكل أفكارهم واتجاهاتهم.. وأقول:  هذا التوصيف غير صحيح لا بالنسبة للشعب الفلسطيني ولا بالنسبة للسلطة ولا بالنسبة للحقائق على الأرض؛ فالشعب الفلسطيني هو أصل الشرعية وهو موجود قبل السلطة وبعدها وبها وبدونها، والشعب الفلسطيني لم يكن يوما فاقدا للشرعية حتى تكون السلطة أو المنظمة أو أي جهة في العالم كله متفضلة عليه بشيء منها؛ وعلى العكس من ذلك مرة أخرى فالصهاينة هم الذين لا يزالون يبحثون عن شرعية وعن هوية وعن نوعية بعد نيف وستين سنة من إقامة كيانهم، ثم إن الشرعية التي تتمتع بها السلطة مؤطرة بالاتفاقيات الخانقة وملوثة بالتنسيقات الأمنية الفاضحة ومجزوءة سياسيا بكونها حكرا على فئة مطاوعة اختارها وأعلاها الاحتلال دون كل الناس.. ومن شاء فهذه انتخابات الـ2006 التي فازت بها حماس واعتقالات النواب والعدوان على غزة كلها تدلل وتؤكد أن شرعية السلطة خاصة ومحدودة لفريق دون غيره ولفكرة دون سواها وأن الشعب الفلسطيني لم يتمتع بشرعية حقيقية للسلطة لحظة واحدة؛  فإن كان وجود السلطة ذات يوم مطلبا فلسطينيا؛ فقد بني على وهم " الربع ساعة الأخير " الذي امتد حتى اليوم إلى عشرين سنة، وعلى وهم " الضوء في نهاية النفق " الذي من الواضح أننا لن نصل إليه أبداً ولكن هذا الوجود أدى أيضا لانقلاب كثير من القيم والمفاهيم حتى قتل الأخ أخاه وتجسس الثائر على الثائر ووصل ببعض الثوار أن يحموا المحتل وأن يعيدوا جنود الصهاينة القتلة إلى أهاليهم في كل مرة سالمين بعد تكريمهم بقدح شاي بالنعناع أو المريمية الفلسطينية والأعجب أن يصير ذلك في نظر البعض قمة الوطنية وغاية غايات المصلحة العليا.  آخر القول: لا بد أن نرى كلا طرفي الصورة ولئن كان للراحل عرفات - رحمه الله – عذر في إيجاد السلطة وأنه لم يخلص الشعب الفلسطيني من مشروعها حتى مات؛ فليس مثل ذلك للسيد " عباس " وحركة فتح بعد كل هذا الافتضاح الذريع الذي يعرفه ويعيشه ويعانيه كل فلسطيني.. صحيح أن الاحتلال لن يسلم لهم بذلك ولكنها المسؤولية الوطنية، فقد صار وجود السلطة عبئا على الشعب والقضية بقدر ما أصبح تفكيكها وتسعير الأرض من تحت الاحتلال بعدها " ضرورة شرعية ومصلحة سياسية وفرصة تاريخية".

509

| 27 سبتمبر 2012

سلام فياض.. من مشكلات الشعب الفلسطيني

بعد أن دخلت الاحتجاجات الفلسطينية منعطفا جديدا بإضراب قطاع النقل العام وامتناع السائقين من نقل الركاب وإضرابات المدارس وما أدى إليه ذلك من شلل في الحياة العامة والمواجهات الخطيرة مع أجهزة أمن الضفة الغربية.. وفي محاولة منه لاحتواء هذه الاحتجاجات وآثارها أعلن رئيس وزراء السلطة في الضفة " سلام فياض " أن حكومته ستعمل على زيادة الأجور والرواتب خلال الشهر المقبل وأنها ستخفض أسعار الوقود وأن وزارة الاقتصاد ستراقب السلع الأساسية حتى لا يتم رفع أسعارها من دون مبرر، مؤكداً على حق الشعب في التعبير عن رأيه بالوسائل السلمية ومشيراً إلى أن حكومته ستقوم بعمل مجموعة من الإجراءات اللازمة لمواجهة العجز اعتمادا على المساعدات الخارجية وما سيقدمه رجال الأعمال العرب.. السؤال هو: هل الذي أثار المواجهات والإضرابات هو فقط الرفع الأخير لأسعار الوقود وتأخر تسليم الرواتب وعدم وصول الصدقات العربية كي يكون الحل في مدى هذا الإعلان؟ بالتالي فهل وصل " سلام فياض " بقراراته هذه نهاية مطاف الأزمة؟ وما دام الحل بيده " فياض " وتحت لسانه إلى هذا الحد فلماذا أثار هذا الرجل الأزمة ابتداء؟ ولماذا انتظر عليها حتى صارت فضيحته والمطالبة بإسقاطه على كل لسان انتهاء؟ والأهم ؛ كيف نفهم ما جاء على لسان الرئيس " عباس " من نسبة الأزمة لحماس وللانقسام؟ ولنا أن نتساءل: ماذا كان الهدف الحقيقي من تهييج وتحزيب حركة فتح والشعب الفلسطيني على حماس، أم أن حشر اسمها مع الانقسام ومع العدو وممارساته كان يراد به شيئا آخر؟  وأقول: إن رئيس وزراء الضفة ورئيسه ومن حولهم يعلمون جيدا أن المشكلة الحقيقية في مكان آخر بعيد عن حماس وحتى عن الانقسام.. ويعلمون أن علاقة حماس والانقسام بالعجز الذي تعانيه السلطة كعلاقة فقدان الملح بالعجز عن صنع طبق حلويات.. ويعلمون أن المشكلة الاقتصادية إنما هي الشرارة التي أثارت الاحتجاجات وليست بالنسبة للمشكلة الحقيقية إلا أثرا ونتيجة..  فإذا أخطأت قيادة السلطة في قراءة هذه الأحداث وفي استقراء مسبباتها وأصرت على تجنب المعالجات الجذرية والأسباب الجوهرية لها فستفاجئهم الأيام – وأقول ذلك تحليلا واستنتاجا فقط – ستفاجئهم بالكثير الذي لا يملكون رده ولا يتقون شره.. فإذا كان الناس يحتجون اليوم على فياض وال10% من غلاء أسعار المحروقات فلن يسكتهم غدا إلا إسقاط السلطة والرئيس.. فالأسباب منطقية والتجارب ماثلة والشعب الفلسطيني ليس بدعا من الشعوب ولا مختلفا عنها وبالتأكيد لن يرضى بسلطة لا تملك من المؤهلات إلا بقية من تاريخ ثوري لقوم ماتوا أو أميتوا وبقية وجاهة أكسبها إياها الاحتلال من تسوية ميتة أيضا ومن معاكسة المقاومة وتعقب الثورة ومن كون مشروعها خيارا أمريكيا وإسرائيليا؟  الحقيقة أن مشكلة الشعب الفلسطيني الذي علّم الدنيا كلها الانتفاضات والثورات الشعبية ليست في الانقسام! ولكنها في السلطة ذاتها بفكرة وجودها وبالدور الذي صنعت لأجله وبالأشخاص القائمين عليها.. ليست في الانقسام ؛ فالانقسام الذي يؤذيها هو ذاته يؤذي حماس مضافا إليه الحصار والعزل الدولي والإقليمي والقصف والاستهداف الدموي الصهيوني الذي شن عليها وعلى غزة حربين كبيرتين منذ اغتيال عرفات.. ومع كل ذلك لم نجد الرواتب تتأخر تحت سلطتها ولم نجدها تحتاج لرفع الأسعار والضرائب بل وجدناها تحقق النجاحات تلو النجاحات سواء على مستوى الإدارة أو على مستوى رد العدو وردعه وإنجازات المقاومة أو على مستوى القبول الشعبي.. فإن قيل إن حماس تملك مخرجا من خلال الثورة المصرية والرئيس " مرسي " المتعاطف معها وتملكه من خلال الأنفاق مع مصر.. أقول: صح هذا أخيرا وليس قبل الثلاثة أشهر يوم فاز مرسي وفي أبعد مدى ليس قبل السنة والنصف عمر الثورة المصرية.. فيما نجاحات حماس ممتدة لسنوات مذ فازت بالتشريعي وحكمت غزة.. أما الأنفاق فنعلم أن ما نجا منها هو فقط ما لم يكتشفه الخبيث أبو الخبيثين الذي وصفه قادة العدو بأنه الكنز الإستراتيجي للصهيونية..  وأقول أيضا: القضية ليست في قرب غزة من مصر ولا في بعد الضفة عنها ؛ ولقد كانت السلطة هناك قبل عام ال2006 وكانت لديها نفس فرصة الانفتاح على مصر إضافة لفرصة دعم وتعاطف النظام المصري الساقط معها ومع ذلك لم تنجح فيما نجحت فيه حماس.. على العكس فقد رأيناها تستدعي الاحتلال لاستغلال وخنق المعابر كما فعل اتفاق دحلان - موفاز.. والظن أنها – أي السلطة إن عادت إلى غزة ولو بعد مائة سنة فستعود لنفس الخضوع ولذات معادلات الاحتلال وستفقد كل ميزة لقربها من مصر أو لتعاطف العالم معها..  الحقيقة أن مشكلة السلطة والشعب الفلسطيني كله هي في ذات السلطة وفي خياراتها والهوامش الضيقة والسقوف المنخفضة التي قبلت الانحشار فيها وتحتها، وهي في الاتفاقات السياسية والاقتصادية والأمنية التي جعلتها وجعلت الشعب الفلسطيني كله تحت التصرف والتحكم الصهيوني وما يتفضل به الاحتلال..  والحقيقة أن مشكلة السلطة هي في انعزالها عن هموم ووجدان الشعب الفلسطيني وفي اعتقادها أنه نام نومة لن يصحو بعدها أبداً فبالغت في الانكشاف أمنيا وفكريا وسياسيا وأخلاقيا وانكشفت خيبة وعودها وعهودها.. ألم يعلن فياض قبل سنتين أن الدولة الفلسطينية ستعلن في أغسطس عام 2011 فأين وعوده؟ وفي مقابلة له مع صحيفة هآرتس الصهيونية وبمناسبة عيد الفصح اليهودي 2010 ألم يبد استعداده للمشاركة فيما يسمى " احتفالات استقلال إسرائيل "؟ ألم يعلن أنه " ليست لديه مشكلة مع الفكرة الصهيونية ومع الاعتقاد بأن " إسرائيل " هي بلاد التوراة "؟ ألم يدع في نفس المقابلة إلى نسيان معاناة الشعب الفلسطيني معتبرا أن الأهم هو " دفع الحوار إلى الأمام بعيدا عما اعتبره خلافات متعلقة بالرواية التاريخية؟ ألم يعلن فيها أيضا عن تنازله عن حق العودة لافتا إلى إمكانية استيعاب المهجرين والمبعدين داخل الجزء المحتل من فلسطين عام 1967 وليس إلى بيوتهم التي هجروا منها في 1948 م؟ فإذا كان هذا هو فياض وكانت هذه هي أفكاره وأوصافه، وكان لا يزال حتى اليوم على رأس الوزارة ويقول عنه الرئيس عباس " سلام فياض يمثلني شخصيا " فهل بعد هذا من ود للشعب الفلسطيني ومن مغامرة برضاه؟  آخر القول: للشعب الفلسطيني مشكلة مع فياض ورئاسته للوزارة ومع أفكاره ومع من يمثلهم ؛ ولكن مشكلته أكبر منه ومن كل الأشخاص الذين فوقه والذين تحته، والشعب الفلسطيني يمر بأزمة اقتصادية قاتلة طالت كل مرافق الحياة وكل قطاعات المجتمع ؛ ولكن أزمته الحقيقية فوق ذلك ومعه وأساسا له إنما هي سياسية ووطنية بامتياز.. فإن توهم أحد أنه يستطيع بتملق الشعب وبالسماح له بالمظاهرات أو بتخفيض الأسعار أو بالوعود الهوائية دغدغة رضاه زمنا فبالتأكيد لن ينجح في ذلك الدهر كله.. ولئن فترت الثورة أول النهار ؛ فلن تلبث أن تنطلق آخره، ومن يتجاهل حقائق الواقع حري بالأحداث أن تتجاوزه ومن يتنكر للشعب الفلسطيني ومعاناته ومحرقته حري ببطون أقدام هذا الشعب العظيم أن تدوسه..

536

| 12 سبتمبر 2012

المشروع الوطني الفلسطيني.. هل إلى خروج من سبيل؟

مرت القضية الفلسطينية بأزمات ارتبطت بتواريخ منذ مطالع القرن الماضي وصولا إلى الانقسام بين غزة والضفة ومرورا بحروب واجتياحات ومعاهدات واتفاقات ولكنها جميعا كانت تحمل في ثناياها أملا بالتحرك وقدرة القائمين على المشروع الوطني الفلسطيني رؤية صائبة في نظر أصحابها وخاطئة أو منحرفة في نظر خصومهم.. أما اليوم فالمشروع الوطني الفلسطيني كله متأزم من مقاومة وتسوية ونظريات ووقائع على الأرض.. أزمة لم يمر بمثلها من قبل؛ فالانقسام بين فتح وحماس وفقدان فرص كثيرة للتصالح يحتحته، وانغلاق مشروع التسوية وتحكمات الاحتلال بالسلطة والجمود الذي يلف غزة بالحصار وعدم القدرة على المبادأة يخنقه، والإرهاق الاقتصادي والبطالة والإعواز الذي يعيشه الناس يرهقه، والتهويد الذي يجري جريا في الدم واللحم الفلسطيني الحي ثم الاستيطان الذي بات يهدد الحياة العادية والنشاط اليومي للشعب الفلسطيني يفتته.. بالتالي فقد صار من المحرمات الدينية والمنكرات السياسية والموبقات الأخلاقية أن يقبل أحد بهذا الحال عن مجاملة لأحد أو عن خوف منه أو عن تقديم مصالحة الخاصة على اعتبارات الوطنية والتاريخ والأمة والقضية. في كل الأحوال من الضروري تقرير جملة الحقائق الآتية لوضع الأمور في نصابها من البحث والنظر وهي مما لا يكاد يختلف عليها اثنان عدلان عاقلان عارفان بالحالة الفلسطينية ونوع وحيثيات أزمة المشروع الوطني التحرري.. وأقول: حقيقة أنه ومع كل الاحترام للقيادة الرسمية للسلطة والشعب الفلسطيني بذاتها واعتباراتها وما تمثله فليس من حقها أن تستمر في مشروع ثبتت خطورته.. وها نحن أمام الجدار وجها لوجه.. فيما هي لا تزال تصر وبدون منطق على أنها قائدة المرحلة وأن مشروعها هو الأمل الموعود واللواء المعقود وأن لا تحرير ولا استقلال بدونها؛ فإن تساءلنا عن خططها وهوامشها وأدواتها ووسائلها وإمكاناتها (بالطبع سوى تسيير الحياة اليومية الجزئية لأهل الضفة) فلا نجد إلا لغة إنشائية ركيكة وجملة عبارات مكررة وانتظار ما يتفضل به العدو.. أما العمل السياسي لديها فمقطوع عن القوة الحقوقية والإعلامية وعن اللغة الدبلوماسية وعن العلاقات العامة وعن القوة الاقتصادية والعسكرية والمجتمعية عموما.. وهل يُقبل في عقل أو في دين أو في واقع أن تسعى ثورة للتحرير فيما هي تتعاون مع العدو أمنيا وتكتفي من العمل السياسي بتسوية ميتة ومفاوضات عقيمة وتنازلات مجانية وترجيات مهينة. وحقيقة أن العدو الصهيوني عندما قبل بالسلطة وأدخل من أدخل من الثوار لفلسطين! لم يفعل ذلك ليقيم لهم كينونة سياسية أو دولة وطنية (هذه حقيقة أثبتتها تملصاته المستمرة من الالتزامات، وأثبتها التواطؤ الأمريكي معه، ويثبتها الواقع).. وعليه فتفكيك السلطة إذا تحتم – وأرى أنه تحتم - يجب أن ينظر إليه على أنه خطوة معاكسة للاستراتيجية الصهيونية.. ويجب أن يصير مطلبا فلسطينيا وطنيا يعني الانطلاق فورا إلى تفجير كل الإمكانات الفلسطينية في وجه الاحتلال ويعني إلقاء كرة اللهب الثوري في وجهه ووجه عملائه من الأنظمة المتصهينة وفي وجه الأمم المتحدة والرباعية المتواطئة معه.. ولابد من إلغاء كل الالتزامات والاعترافات والاعتمادات التي اكتسبها العدو من وجود السلطة سرا أو علنا. وحقيقة أن القضية الفلسطينية بامتدادها القومي والديني والفكري وبأبعادها السياسية والتاريخية والأمنية وبماضيها وحاضرها ومستقبلها هي أكبر من كل الأشخاص والأحزاب والاتجاهات، وعليه فلتذهب إلى قعر جهنم كل الخلافات والمصالح والمحاور الشخصية والحزبية والاتجاهية التي تعطل التحرير أو تتقدم عليه فضلا عن أن تغتاله أو تخونه، فلا تجوز المقايضة بين المكاسب الوطنية العامة والتاريخية بأية مكتسبات أو عوائد شخصية كما لا يجوز أن تبنى المواقف على أساس الخوف الشخصي لأي كان ومن أي كان.. وهو – للأسف – أخطر ما تعاني منه قيادة الشعب الفلسطيني الحالية التي تتحرك تحت الخوف من مصير كمصير عرفات أو الطمع في السلامة والغنيمة لأنفسهم وذويهم وحزبهم. وحقيقة أن المستقبل وخياراته تنبنى عضويا وتلقائيا على الحاضر وعلى الماضي كتجارب ومحصلات، وللشعب الفلسطيني تجارب في السياسات والحركات والقيادات والإنجازات ويجب البناء عليها ولا يجوز تجاهلها.. وعليه فليس يصح تجاهل المقاومة ونجاحاتها وإنجازاتها وهي التي كنست الاحتلال من غزة ولاحقت العدو في عقر ما كان يعتبره بيته وعرينه ودحرت جيوشه وأسرت جنوده ثم حررت الأسرى الذين لم يكن من أمل لتحريرهم بغير ذلك.. هذه المقاومة يجب احترامها وتقديسها وتجاهل التفاصيل الصغيرة من الملاحظات الموضوعية أو غير الموضوعية التي تؤخذ عليها. وحقيقة أن السلطة لا تملك الكثير من أدوات الحسم وهي تحت الاحتلال وفي ظل انشغال البعض العربي بهمومه الداخلية أو تشاغلهم بها ولكنها بالتأكيد تستطيع أن تفعل شيئا ما بما للقضية من وجاهة لدى شعوبنا ولدى الرأي العام الدولي وبما يعضدها من قرارات دولية وثوابت إنسانية وأخلاقية وبما تمثله هذه السلطة بالنسبة للشعب الفلسطيني، وما يجب أن تكونه من رافعة لكل الحالة الثورية في المنطقة وبما يخدمها من قانون ومؤسسات دولية.. ولنا أن نتخيل حال الكيان لو أن السلطة والفصائل على قلب رجل واحد ولو أنهم يعملون في الممكن المتفق عليه في حين تشتعل المنطقة بالثورات وتتغير فيها الولاءات وفي حين يعطل العدو كل السبل ويمارس كل أنواع الابتزاز والاستفزاز.. إنها إذن الانتفاضة الثالثة وعندها سنجد العدو هو الذي يتلطى على أبواب الوساطات للخروج من الأزمة.. هذا لا أقوله لإلقاء اللائمة على طرف دون الآخر ولا نسيانا للظرف الشائع الذي تعمل تحته السلطة ولا دفاعا عن خصوم السلطة الذين عليهم أن يقدموا الأسباب وربما هم يقدمونها أو معظمها؛ ولكن كما قلت ضمن الممكن ولأنها السلطة ولأن القضية هي القضية الفلسطينية.  وحقيقة أن الاختلافات الفلسطينية داخل السلطة أو بينها وبين أي من الفصائل كحماس وغيرها إنما هي اختلافات وتباينات طبيعية مهما كانت العناوين التي تقع تحتها وبالأخص ما يتعلق منها بالخيارات الكبرى ( مفهوم الدين، وحدود الوطن، ومناهج الإصلاح، وأمور السلم والحرب) وقد وجد أمثال هذه الاختلافات في كل الثورات التي لم تنقسم ولم يخوّن بعضها بعضا.. فلا يصح ولا يليق أن تصير سببا للانقسام والقطيعة، بقدر ما لا يصح ولا يجوز تناولها بفردية ولا أن يتكلم فيها من هب ودب ولا أن ترجم بسفاهات الرأي وسقيمات الفهم بحجة اختلاف وجهات النظر ؛ ولكن تتناول بمسؤولية جادة ووطنية صادقة واحترافية عالية وبعمومية شاملة فهذه الخيارات الكبرى وأضدادها ليست وجهات نظر. آخر القول: المشروع الفلسطيني التحرري كله مأزوم من تسوية ومقاومة، ولا يجوز أن يظل الشعب الفلسطيني ساكنا متقبلا كل ما يقع عليه من غبن واستضعاف وتخريب مهما كانت وطنية القائمين على أمره؛ فالوطن يقتطع وإمكانيات إقامة دولة مستقلة تتلاشى والعالم العربي والإسلامي مشغول كل بهمومه الداخلية وجبهة الممانعة يعتريها ما نرى من الطائفية والانفكاك وربما ستأخذ وقتا لتعود للسكة.. فليس بعد هذا مجاملات ولا مناورات وعلى الشعب الفلسطيني وقواه الحية من فصائل ومستقلين ونخب وعامة أن يتحركوا في الهوامش الممكنة وصولا لما يظن أنه مستحيل.

419

| 07 سبتمبر 2012

نجاحات الإخوان.. الدلالات والمستفادات

أن يعين الرئيس "مرسي" أربعة مساعدين وسبعة عشر مستشارا وكان من قبل عين نائبا له وأنهى سطوة المجلس العسكري على القرار السيادي.. ذلك كله إنجازات ثورية للشعب المصري تتحقق على أرض الواقع.. وقد صارت إدارة مصر منذ اليوم شعبية جماعية كما لم تعد الرئاسة محتكرة أو مقصورة على شخص الرئيس مهما ادعى أنه وحيد دهره وفريد عصره الذي ضنت بمثله الأعصار وطنت بذكره الأمصار.. ومنذ اليوم لم يعد في مصر من يدعي ملك الصواب المطلق أو من يطمع في تحريك التسعين مليون مصري بضغطة زر كما أراده عبد الناصر، ولا من يتفاجأ أقرب المقربين منه بقرار ذهابه في زيارة مصالحة للعدوة " إسرائيل " ثم يوقع اتفاقية عار مثل " كامب ديفيد " التي انتقصت مصر وسيادتها كما فعل السادات، ولا من يرى مصر بمالها وناسها وتاريخها وراثة حصرية فيه وفي ابنه وعائلته كحسني الساقط.. وأقول : هذا الذي تحقق في مصر لم يكن ليتحقق بالرئيس وحده، ولا بالإخوان وحدهم، ولا بالشعب المصري وحده، أما الرئيس فبدون الثورة لم يكن أكثر من رجل له آراء سياسية وفكرية معارضة وله في الشعب المصري بهذا المعنى أمثال وأشباه بالآلاف إن لم يكن بالملايين وهذا لا يقلل مما عليه السيد " مرسي " من مميزات شخصية وفكرية ومما للرئاسة من قيمة اعتبارية تجعل أفكار الرجال قرارات وسياسات ينهض بها البلد كله.. وأما جماعة " الإخوان المسلمين " فلم تكن وحدها ومع كل مصداقيتها ووضوح فكرتها واتساع رقعتها واقتدارها على التحرك والتحريك.. لم تكن قادرة على فعل مؤثر وهي المتهمة والمظلومة قبل الثورة ولم تكن أكثر من جماعة إسلامية راديكالية متطرفة ومحظورة في نظر الكثيرين.. والشعب المصري أيضا لم يكن لوحده قادرا على فعل شيء مع ما في هذا الشعب من طاقات وإمكانات بشرية وعلمية وعسكرية وروحية وحزبية وقد مر عليه سنون طويلة كان خاضعا فيها للطواغيت المتفرعنين عليه بضعفه أو بخوفه من الطاغية وأولاده وأهل بيته والحفنة من أنصاره الذين أفسدوا ذات بينه وسخروه في نزواتهم..  الثورة انطلقت وها هي تحصد إنجازاتها وانتصاراتها وها هو شمل الرئيس المميز يجتمع بالحزب المميز ليجتمعا معا بالشعب وإمكاناته وها هو كل مقوم من هذه الثلاثة يعطي للآخر بقدر ما يأخذ منه.. ما يجب نظره وتفسيره بموضوعية هو وجود " الإخوان المسلمين " في هذه التوليفة والدور الهائل الذي يؤدونه الآن.. البعض قد يجادلون في دور الإخوان ونجاحاتهم أو في مركزية أهميتهم وهؤلاء نسألهم : ألم يفز الإخوان المسلمون في الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية؟ فلماذا فازوا على كل الاتجاهات من إسلاميين وليبراليين ويساريين وفلول ومستقلين وأحزاب قديمة وحديثة؟ والسؤال الأهم : كيف استطاعت هذه الجماعة بناء كل هذه الثقة مع الشعب المصري الذي نشأ فيه أكثر من ثلاثة أجيال بعد انقلاب عبد الناصر كلها لا ترى في الإخوان إلا جماعة محظورة ولا تسمع عنهم إلا كمتطرفين وإرهابيين ومطاريد؟ الشيء نفسه حدث في تونس وفلسطين وتركيا والمغرب وها هو يحدث في طول بلاد المسلمين وعرضها.. أليس لافتا أن يحقق الإخوان كل هذا الإنجاز مع أنهم لم يغيروا منذ انطلقت دعوتهم قبل ثمانين سنة شيئا من رؤيتهم ولم يتنازلوا عن شيء من مقاصدهم وغاياتهم أو عن شيء من معاني ومضامين الإسلام البعيدة أو القريبة.. ومعلوم أن كل ما كتبه الشهيد " حسن البنا " مؤسس الجماعة ومرشدها الأول آنذاك لا يزال يدرس في كتاتيبها ويلقى في مواعظها وتدور حوله مناشطها وحياتها..  على المصلحين والثوار والتغييريين والإسلاميين منهم على الخصوص أن يضعوا تجربة " الإخوان المسلمين " الناجحة في عين اهتمامهم، وأن يعيدوا حساباتهم على ضوء ذلك في غاياتهم ووسائلهم ومحدداتهم وخطابهم واهتماماتهم ؛ فكثير من التباعدات والحزازات بينهم وبين " الإخوان " كان أصلها سوء الظن أو اختلاف النظر لجدوى الخيارات السياسية؟!  هذا لا أقوله شماتة ولا تعييرا لأحد ولكن من قبيل الحرص على جمع مكونات التكامل الإسلامي بين جماعات الإسلام وأحزابه وأشخاصه.. فتجربة " الإخوان المسلمين " فيها يتمثل الإسلام بشموليته دون تنازل عن قيمة أو خلق أو موقف منه، وقد نجحت في الوصول إلى الجماهير رغم كل ما ووجهت به من التعويق وأسباب المنع ومكر الليل والنهار، ولكن أقوله وعيني على " الإخوان " الذين أحترمهم وأحترم تجربتهم ونجاحاتهم أن لا يأخذهم الغرور لما أخذ إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في " حنين " إذ أعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولّوا مدبرين.. وأقوله وعيني على إسلاميين آخرين طالما اتهموا " الإخوان " بالتلكؤ في مسألة " الجهاد " وبعدم الجدية في مواجهة الخصوم ؛ فاختطوا لأنفسهم غير خطهم ثم قاموا يصنعون جهادا ويسطرون فيه دماء لها علاقة بضيق أفقهم وبسارة فهمهم وليس لها علاقة بالإسلام ولا بالواقع فأساؤوا من حيث أرادوا الإصلاح وعزلوا أنفسهم ثم ها هم يفشلون ولا يصلون إلى شيء.. وأقوله وعيني على بعض الإسلاميين الذين ظنوا أن منافسة الخصوم ومدافعة الجاهلية تورطهم في اللاسلامة واللاأمن وتعيق الدعوة فإذا بهم ينتقصون من الإسلام باب الجهاد، وباب المحاججة، وباب الحكم، وباب الاقتصاد.. واخترعوا لأنفسهم جهادا هو أقرب للتصوف القديم في برودته وانعزاله واكتفائه من الدين بأشكال وقشور لا روح فيها وتسلوا بها عن العزائم وعن القضايا الكبيرة للأمة.. وأقول هذا وعيني على إسلاميين ارتضوا من الإسلام بالبيان وارتكنوا على التقرب من السلطان ليمهد لهم الناس ويوطئ لهم الرقاب فصاروا عالة عليه وتحت رحمته بقدر ما ابتعدوا عن الناس وفقدوا لغة الحوار والوصال.. أخيرا أقول هذا وعيني على فئة أخرى من الإسلاميين انتهجوا التنظير الجدلي لأفكارهم واعتبروه غاية الجهد والجهاد ومنتهى المطاف فانعزلوا عن التربية والتقويم وأرادوا أن " يتأستذوا " على الناس بجدليات لا عواطف ولا نوازع فيها متوهمين أن هدم الجدار الفكري في إنسان لم يفهم الإسلام يصيره فورا وبالتلقائية إنسانا صالحا ومسلما كاملا ومؤمنا مجاهدا وحول ذلك ظلوا يدندنون واستمروا يدورون فتراخت عليهم عشرات السنين فيما الأحداث تجاوزتهم والناس تكاد تنساهم..  لقد كشفت التغييرات في مصر عن دور ووزن الإسلام السياسي، ثم عن دور ووزن " الإخوان المسلمين " كأكثر جهة إسلامية وإصلاحية نالت ثقة الجماهير والنخب المؤثرة، كما أكدت أن النصر الحقيقي هو في الالتحام بالشعوب وتوظيف ثقلها لا بمعاندتها ولا باستفزازها ولا باستهدافها ولا بتكفيرها والخروج عليها، وأكدت أنه يتحقق باجتماع العامل ( أو الحامل ) البشري مع المناهج الصافية ما لا يتحقق بالسلاح وحده، وأن الجهاد الحقيقي هو في التزام الإسلام بكليته وليس بالتنازل عنه أو عن أجزاء منه ولا بالاكتفاء بشكل أو بمظهر منه مهما رآه المكتفي به أساسيا.. ودللت التغييرات على أن النصر إنما يتحقق بالارتكان على النفس وعلى أصحاب الدعوة الحقيقيين وبالعمل الدؤوب والدخول إلى كل تفاصيل المواجهة مع الباطل وأهله وأعوانه وليس بالارتكان على الآخرين ولا بالارتكاز على المناظرات الذهنية الثقيلة والمجادلات العقيمة الجامدة..  آخر القول : تجربة " الإخوان المسلمين " كجماعة تعيش ظروفا استثنائية من المنع والتعويق.. هي تجربة تستحق وبالأخص بعد نجاحها وما تحققه اليوم لذاتها وشعبها وأمتها.. تستحق إعادة النظر فيها وإعادة تقويمها وتحليلها.. وإعادة البحث عن كيفية ومواضع الاستفادة منها..

657

| 29 أغسطس 2012

للإنصاف.. وليس دفاعا عن قرارات مرسي

في سياق التحليلات وردود الأفعال حول قرارات الرئيس المصري المنتخب "مرسي" الأخيرة أكدت صحيفة 'هآرتس' الصهيونية أن "إسرائيل" شعرت بالضياع والفزع بسبب إقالة المشير حسين طنطاوي، وأن حدثاً كهذا بالنسبة لـ"إسرائيل" هو أهم من التهديد النووي الإيراني وارتفاع أسعار الشقق والوقود.. الصحيفة دللت على ذلك بأن قرارات الرئيس "مرسي" احتلت المانشيتات الرئيسة في الصحف العبرية، وقال محلل الشؤون العربية بالصحيفة 'تسفي برئيل' إن هذا هو نفس الشعور الذي ساد في إسرائيل بعد قيام رئيس حكومة تركيا - أردوغان - باستبعاد القيادات العسكرية وإبعادها عن السياسة وإيقاف الجنرالات الذين كانوا حافظي أسرار إسرائيل. أضاف برئيل أن "إسرائيل" تجد صعوبة في قبول حقيقة أن تركيا ومصر انتقلتا من نظام حكم عسكري أو شبه عسكري إلى نظام حكم مدني، لأنها ظنت أن السياسة التي طالما انتهجتها مع قيادات الجيشين المصري والتركي كانت أبدية، وأن نظام الجنرالات في حاجة إليها. أما في صحيفة "يديعوت أحرونوت" فقد كتب المحلل العسكري الصهيوني "أليكس فيشمان" تحت عنوان "خطر على العلاقات مع إسرائيل" إن قرارات مرسي وقعت على الكيان الصهيوني كالرعد في يوم صحو؛ فقد أقيلت مجموعة لا يستهان بها من الرجال الذين احتفظوا لسنوات طويلة بعلاقات عمل مع جهات في الكيان الصهيوني.  وأقول: هذا ما يقوله العدو عن القرارات وهذا تحليله لها وهو بالتأكيد يضفي عليها قيمة ووجاهة إضافية.. لكنها فوق ذلك ضروروية لمصر كمصر قبل أي اعتبار آخر؛ ذلك لأنها 1- التطور الطبيعي وتمثل المرحلة الثالثة لثورة الربيع المصرية بعد مرحلتي "الشعب يريد إسقاط النظام" و"يسقط يسقط حكم العسكر" 2- ولأنها وضعت حدا لنكايات المجلس العسكري ضد الرئيس والثورة، 3- وحسمت ازدواجية وجود رأسين متضادين وجسمين متشاكسين للدولة أحدهما للثورة ويجسده الرئيس المنتخب والآخر للفلول ويمثله المجلس العسكري 4- ولأن مصر دولة عميقة وكبيرة وتقع في منطقة من العالم تتداخل معادلاتها وتتشابك علاقاتها ويقيم على حدودها "الكيان الصهيوني".. فلا يمكن أن تظل رهنا لحالة انتقالية هكذا.  لكن هذه القرارات لم تكن لتتخذ إلا برئيس قوي ويمتلك روح المغامرة على الصعيد الشخصي، ولم تكن لتنفذ لولا أن هذا الرئيس مؤيد ومعزز من الشعب، ولولا أن الشعب الذي يسنده ويسند قراراته فاعل وواع ويعرف ما يريد ومستعد لكل الاحتمالات وللرد على أسوأ ما يمكن أن يترتب عليها عند اللزوم. وإذن فالقرارات نتاج توليفة من ثلاثية تتكون من رئيس قوي، وشعب فاعل، ورابطة متينة بينهما.. هذه التوليفة توفرت في مصر اليوم وهي التي جعلت الرجل الأول والأقوى في المجلس العسكري – المشير طنطاوي - عندما وصله خبر الإقالة لا يزيد على قول "استخرت الله على ما حدث، وأتمنى أن توفق القيادات الجديدة لما فيه الخير لمصر" التوليفة ذاتها جعلت الرجل الأقوى ثانيا في المجلس - الفريق عنان – لا يجد ما يعلق به على الخبر فيلوذ بالصمت، وهي التي جعلت صولات وجولات ودستوريات المجلس العسكري التي حصن نفسه بها تتداعى وتنهار، ولو أن هذه التوليفة الثلاثية تخلف منها مكون واحد لكان أحد القرارات كافيا لقلب الأمور على رأس مرسي والإخوان ومصر كلها.  المتوقع حسب البند الثالث من القرارات التي تتعلق بالدستور والبرلمان أن تؤدي خلال الستة أشهر القادمة لإنهاء صناعة الدستور وتشكيل البرلمان المنتخب.. وقد بات واضحا أن القيادة المصرية الجديدة تسير بخطوات ثابتة وحاسمة نحو الاستقرار. الرئيس المنتخب "مرسي" لا ينسى وهو يعالج إشكالات الداخل وينجح فيها ورغم كل الإشغالات والنكايات والمعيقات هو تحرك في الملفين الأخطر والأولى من كل الملفات على المستوى الخارجي ومستوى العلاقات الإقليمية؛ ملف العلاقات مصر مع كيان العدو، وملف الثورة السورية.. في الملف الأول أوضح وزير الإعلام الجديد "صلاح عبدالمقصود" بلغة لم تكن معهودة في الخطاب الدبلوماسي المصري منذ اتفاقية العار – كامب ديفيد - أوضح أن مصر لن تسمح بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل قبل تحرير الأراضي المحتلة، وفي نفس الاتجاه تأتي إعادة تموضع القوات العسكرية المصرية الجاري في سيناء على غير رضا كيان العدو وبما لا يتفق مع حدود المعاهدات بينهما، كل ذلك يؤشر على أن أهداف العملية في سيناء تجاوزت الرد على عملية الغدر وتخطت ملاحقة المتطرفين.. مما حدا بحكومة العدو أن تطلب من مصر سحب هذه القوات.. محللون يعتقدون أن تهديدات الكيان الصهيوني لإيران المقصود منه تصدير رسالة لمصر على طريقة إياك أعني واسمعي يا جارة فجاء رد الرئيس "أن بلاده لن تأخذ إذنا من أحد لحماية حدودها" وصارت صحف العدو تنعته بـ"الرجل القصير صاحب المفاجآت".  أما في الملف السوري فقد قدم الرئيس لمؤتمر "منظمة التعاون الإسلامي" الأخير في مكة مشروعا ينطوي على الذكاء والواقعية بقدر ما يجمع الولاء لفكر الثورة وإيثار السلامة ورفض التدخل الخارجي.. الاقتراح دعا لتشكيل جبهة وساطة من الدول - مصر وتركيا والسعودية وإيران – وهي جبهة لو تشكلت كما يريدها "مرسي" فبالتأكيد ستكون ذات ثقل إقليمي وسيتجاوز أثرها حل المشكلة السورية ثم ولوجود إيران فيها سيوقف ذلك التصعيد الطائفي ويعزز جبهة الممانعة في وجه المخططات الصهيوأميركية في المنطقة.  هذا الاقتراح قد يتم بالدول الأربع وقد يتم ببعضها وقد تنضم إليه دول أصغر.. في كل الأحوال هو اقتراح يدلل على عقلية وطنية وعلى مشاعر قومية وعلى ذكاء وإحاطة خاصتين يتمتع بهما الرئيس، وإذن فقد صارت مصر تتحرك على المستوى الخارجي منذ اليوم وصرنا أمام لغة جديدة ورؤية جديدة وعلاقات مصرية جديدة وبصدد هوية جديدة بدأت تترسم للإنسان المصري داخل مصر وخارجها.. أليست هذه كلها معاني ثورية ووطنية وقومية وإسلامية ما قامت الثورة أساسا إلا لها وبها؟  آخر القول: لست أروج للرئيس كشخص، ولا لقراراته التي لم تعد محتاجة لمن يدافع عنها.. ولكنه الإنصاف؛ إنصاف الرجل "مرسي" الذي ظن بعض محبيه أنه ضعيف ونعته خصومه بـ(استبن)، وإنصاف "الإخوان المسلمين" الذين ظنهم بعض محبيهم مجموعة دراويش مسطحين وطالما نعتهم أعداؤهم بإرهابيين ومتطرفين وحجريين وخشبيين وظلاميين.. وإنصاف الشعب المصري الذي يتهمه خصوم الثورة بالتغفل وبأنه أجرم في حق نفسه عندما اختار الإخوان، والذين لا يزالون يرونه مجرد أسماء في سجلات الإحصاء أو أرقام في خطط تحديد النسل.

462

| 23 أغسطس 2012

الشعب السوري هو المقاوم وهو الأبقى!

بعض رموز خط المقاومة من دول وأحزاب وأشخاص الذين لم يغيروا رأيهم ومواقفهم من النظام السوري حتى الآن والذين لا يزالون يصرون على دعمه رغم تصادمه مع شعبه لأكثر من سنة ونصف ورغم الفظائع اللا إنسانية واللا أخلاقية واللا وطنية التي يرتكبها ضدهم ورغم افتضاح كل الأكاذيب التي يحاول التغطي بها.. هؤلاء وبالقطع واليقين لا بالتخمين والتحليل لا ينطلقون من حب المقاومة ولا من دعمها وإنما من شيء آخر علينا أن نعترف به وأن نبحث عنه.. إنه الطائفية البغيضة في أقبح صورها أو النفعية المصلحية في أضيق معانيها..  ولا يمكن أن يكونوا أكثر قومية ومقاومية من رئيس الوزراء السوري ومئات الضباط والألوية والعمداء وآلاف الجنود المنشقين وملايين السوريين الثائرين.. لذا فمن لا يزال يدعم هذا النظام حتى الآن ممن يتوهمون أنفسهم يدعمون المقاومة إنما هم بذلك إنما يجرمون في حق المقاومة ويفرقون الناس عنها بهذا الانحياز الأعمى والأصم والأبله وهو أمر يؤسف له ؛ يؤسف له أولا: لما سيعود عليهم بمثل ما عاد على " ميشيل سماحة " الذي ورطه النظام السوري في خيانة بلده بما حرق رصيده السياسي والوطني وبما أخجل أولاده وأهله ؛ وثانيا: لما سيعود على المقاومة ذاتها من إدانة وما سيعطي خصومها من حجة ولسان يهاجمون به طهوريتها وكماليتها.. وما نشاط البعض " أيتام شارون " في لبنان ضد سلاح المقاومة إلا نبذة عما يمكن أن تؤول إليه الأمور..  وإذا خرجنا عن ميزان المبادئ لنحاور بعض من تحكمهم المصالح من داعمي المقاومة.. فنسألهم: هل ظل من المراهنة على بقاء هذا النظام شيء؟ وهل الأمل في أعلى حدوده يتجاوز إطالة أمد الأزمة لأيام أو لشهور؟ ثم هل يستحق هذا الرهان أن تفرطوا بالرأي العام الذي طالما استندتم إليه واستنصرتم به؟ وهل تستحق الأيام أو الشهور – إن بقي منها شيء - أن تستنزفوا لها رصيدكم الوطني والثوري الذي كسبتموه بدماء زكية بذلتموها ودفعتم بها في المعركة؟  وإلى هؤلاء أقول: إن قضية الشعب السوري اليوم - في منظورها الاستراتيجي والتاريخي - هي قضية ككل قضايا التحرر ؛ أخلاقية ووطنية وثورية ومطلبية من الدرجة الأولى.. يجب رصدها والتعامل معها في هذا الإطار، وعلى كل الذين دعموا المقاومة ضد العدو الصهيوني في يوم من الأيام أن يدعموا أهداف هذه الثورة وأن يدللوا بالمواقف العملية والمعلنة على أنهم مع الحرية كمبدأ ومع المقاومة كقيمة عليا، وأنهم عندما يرفضون الاحتلال الصهيوني فإنهم لا يرفضونه عن عنصرية قومية أو دينية أو مذهبية ولا من منطلق مصلحي نفعي ضيق، وأن مواقفهم الوطنية والقومية لا تتجزأ ولا تتجير.. بالتالي فإن عليهم أن يتخلوا عن هذا النظام الفاجر وعن رئيسه الطائفي الأحمق القاتل.. وإلا فهم بدعمهم له ورغم كل ما يفعل إنما يشخصنون المقاومة ويحصرونها في مجموعة ذوات منحرفة.. وهذا غاية الظلم للمقاومة بقدر ما هو غاية الإضرار بها كقيمة وكمفهوم..  عندما يشخصن هؤلاء المقاومة في ذات رئيس – بشار - فاعل لكل أنواع الموبقات، وعندما يشخصنونها في حزب – البعث - فئوي انطوائي استئصالي متهرئ فاسد مستبد ومعلن الكفر البواح.. هذه الشخصنات أليست تجعل المقاومة مكشوفة تحت ما يجب أن تكون محصنة منه؟ أليست تنفي عنها صفات الوطنية والقومية والعمومية والطهورية والعدالة؟ أليست تضربها في مصداقية اتجاهها نحو التغيير؟ وإذا كان تحرير الأوطان وحماية المقاومة هو غايتهم وهو مطلبهم وهو هجرتهم الحقيقية، ولم تكن نوازع الطائفية والمصالح المادية الضيقة ومقاصد الاسترزاق المجرد هو دافعهم ؛ فلماذا لم يفهموا - حتى الآن - أن من حق الشعب السوري أن يمارس حريته وحياته كما يشاء؟ ولماذا لم يفهموا حتى الآن أن بشار وحزبه ونظامه لم يخلقوا ليكونوا آلهة تعبد من دون الله؟ وأن الوطنية إن لم تقم على رصيد من الأخلاق العملية فإنها لا تشترى بالخطب الكلامية في مؤتمرات القمة ولا بادعاء العروبية والقومية والبعثية.. ولا حتى بدعم المقاومة على سبيل المقايضة والمعاوضة؟  ولماذا لا يأخذون خط حركة حماس التي لا يستطيع أحد أن يتهم حرصها على المقاومة؟ ها هي وهي المدينة للنظام السوري بحمايتها لإحدى عشرة سنة.. ها هي عندما وجدته يرفض وساطتها مع المعارضة ويمعن في الدماء والقتل ويرتكب الموبقات وينحاز للطائفية السوداء.. ها هي تتخلى عنه وتحتفظ بمسافة واضحة منه لا ينكرها إلا أعمى أو مغر..  حماس عندما تتخلى عن نظام قاتل يرفضه شعبه ؛ هي لا تتخلى عن نصير ولا عن رفيق سلاح، ولا هي تبصق في الصحن الذي أكلت منه.. فقد وقفت مع كل الحركات والأحزاب ضد الأعداء.. وإنما - وهو ما ينبغي أن يعرفه وأن يتنبه إلى الفرق فيه كل أنصارها – لأن المبدأ عندها هو المبدأ، ولأنها تعدل في الرضى والغضب، ولأنها تتعالى على حاجاتها وتنحاز لمطالب الشعوب العادلة والمحقة.. فالعدل واحد والحرية واحدة ولا يمكن أن يكون مقاوما من يرضى بقتل شعب كل جريمته أنه يقدس الحرية وأنه يريد أن يكون محترما ومختارا كما كل الشعوب الحية..  البعض ربما يطلب من حماس أن تبرز موقفا أكثر تميزا وأكثر صراحة في مواجهة النظام السوري.. وربما يطلبون ذلك عن حسن نية لما تمثله حماس في وجدان الرأي العام من قوة ولما تمثله مواقفها من معيارية أخلاقية تجاه من تتخذ مواقفها إزاءهم، ولما في صراحة انحيازها ضد النظام السوري من كشف لما تبقى من غطاء أخلاقي يحاول النظام التداري به والتمدد خلفه.. أو أن البعض ربما يحاول بمثل هذا الطلب التناغم مع الغرب وإسرائيل لنيل مكان أو مكانة أو لتصدير رسالة هنا أو هناك.. في كل الأحوال وأيا كان دافع هذا المطلب فإنه غير واقعي ولا هو من الحكمة في شيء ؛ ولا داعي له فلم يعد أحد مخدوعا بدعاوى الوطنية والقومية التي يرددها النظام السوري وأزلامه الذين ليس يهمهم موقف حماس منه ولا أن تقبل عليه أو أن تدبر عنه.. ثم إن حماس علمتها الأحداث والمواقف وأخطاء الآخرين أن لا تغرق في الفتن الداخلية للنظم والشعوب.. وأن ذلك أدى ويؤدي لإضرار بالغ بحق الفلسطينيين.. هذا الفهم هو الذي ميز حماس ومواقفها وهو الذي وفر لها قاعدة تقبل أوسع مما يتوفر لكل الأحزاب والحركات والمنظمات الفلسطينية على الإطلاق..  لقد صار واضحا أن ما يجمع النظام السوري ومؤيديه اليوم ليس دعم المقاومة ولا هي نوازع الوطنية ولا الحفاظ على جبهة الصمود وإلا فما وجود النظام العراقي الحالي - صنيعة الاحتلال الأمريكي – حليفا له وفي صفه!! وصار واضحا أن الخيارات لم تعد إما المقاومة أو العمالة، ولكنها الطائفية المذهبية فقط..  آخر القول: الصحيح أن وطنية وقومية ونظافة الشعب السوري هي التي جعلت النظام المعيب بالطائفية والخرب من القيم الإنسانية والخاوي من الأخلاق الفاضلة والغارق في العمالة السوداء يقوم بأدوار وصفت بالوطنية والقومية والثورية.. أما وقد تصادم مع شعبه وعاد لأصل فجوره وخوائه وإلى طبيعته وقباحته فإن على كل مقاوم من حركة أو حزب أو دولة وعلى كل نصير له أن يكونوا أول من يدين هذا النظام وأول من يتبرؤون منه مهما كانت الوشائج التي جمعتهم أو لا تزال تجمعهم به.. فالشعب السوري أبقى من كل النظم التي تحكمه وأنفع لأمته..

433

| 16 أغسطس 2012

هذا الاعتداء.. لا يمكن أن يكون إلا صهيونيا!

الاعتداء " القذر الغادر " الذي قام به ضد الجيش المسلم العربي المصري بعض الذين أصيبوا بالانحراف الديني و" الهبل " السياسي والفكري والذي لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه بما يطرح تساؤلات كثيرة عمن قام به أو دفع إليه .. هذا الاعتداء قد أصاب كل محب لمصر وكل مؤمن بدورها ومحورة علاقاتها الصدمة والحزن في ليلة كان يفترض أنها ليلة قدر هذه الأمة وليلة رفعتها ، وفي شهر هو عنوان انتصاراتها وذكريات مجدها عبر التاريخ الإسلامي .. هذه العملية " القذرة الغادرة " وبقدر ما أحزنت المؤمنين أدخلت السرور والفرح على العدو الصهيوني وأعوانه ومحاسيبه الذين لم يستطيعوا إخفاء فرحتهم بها رغم التمثيلية البكائية النفاقية الأقرب للهزلية المكشوفة التي حاولوها .. ومن سخريات المشهد أن يصير غيورا على " الدم المصري " عدونا الصهيوني المجرم الذي طالما صدر الإرهاب إلى أطراف الدنيا كلها .. وأن يبكي على كرامة مصر وعلى حصانة أراضيها فلول النظام الساقط الذين طالما نهبوها وسرقوا مقدراتها وانتهكوا دم ثوارها ، والذين باعوا أنفسهم ومواقفهم في سوق العمالة والسقوط والخراب بالقليل الزهيد وللعدو البغيض .. وأن يصير للعدو لسان يطلب به من مصر " مرسي " ومصر " الإخوان " ومصر " الثورة " التنسيق الأمني معه لمواجهة ما يسميه " الإرهاب " في سيناء وغزة ..   لقد فرح العدو - وحق له أن يفرح – بل أن يشكر " المنحرفين البله " الذين قاموا بهذا العمل الغادر لأنهم قتلوا الجنود المصريين قبل أن يفكروا في قتل جنوده المرابطين على أمتار من مكان المجزرة ، ولأنهم قاموا بذلك يحدث على الحدود مع غزة التي تحكمها حماس ما يجعل الكثيرين ممن لا يدرون التفاصيل ولا يعرفون الفوارق بين الأفكار والاتجاهات على استعداد لتقبل اتهام الفلسطينيين والإسلاميين منهم تحديدا بالمسؤولية عنه .. ولأن هذا العمل " الغادر " وضع الكثير من العقبات والعوائق الحقيقية في وجه الرئاسة المصرية تجاه فك الحصار على غزة وبدد الكثير من المبشرات الناشئة بالثورة ووصول " الإخوان " لسدة الحكم وبالتواصلات الأخيرة بين غزة والقاهرة ..    لقد فرح العدو .. ولو رأيت نتنياهو وهو يتفقد المدرعة التي كان فيها الغادرون الأغبياء ودمرها الجيش الصهيوني .. لو رأيته وهو يدور حولها مزهوا ومختالا وفخورا وكأنه يقول " لقد نجحنا في قتل المعتدين وتدمير مركبتهم دون أن يقتل من جنودنا واحد رأسه .. ونجحنا فيما لم ينجح فيه الجيش المصري الذي لم يكن أكثر من ضحية .. وعلى مصر أن تلتزم بالاتفاقات ، وأن لا تفكر في تغيير النسب والمواقع على الأرض .. وإلا فهذا مصير الدبابات والمدرعات المصرية "..    فرح نتنياهو وفرح آخرون من دونه لا نعلمهم – الله يعلمهم – لأن الاعتداء سيشوه صورة وسمعة الإسلاميين في لحظة يحركها فوران الدم ويبني ثقافتها ثوران الغضب .. وثمة أناس وبعضهم مثقفون مستعدون دائما لنسيان عدالة ونقاء الإسلاميين ويصدقون كل الإشاعات والتعميمات عنهم مع أن الأغلبية العظمى من الإسلاميين وسطيون مقاومون محترمون وإنما يحركهم الحب في كل ما يأخذون وما يتركون وما يقولون وما يفعلون ؛ الحبٌّ لله وفي الله ، وحب الحياة وحب الأوطان وحب الإنسانية وحب الكرامة وحب أجيالنا القادمة .. كحماس والجهاد الذين أعطوا كل يوم مثالا بل أمثلة على أن وجدانهم مليء بالنظافة وأن تاريخهم حاشد بالتضحيات الباهرة والذين هم الشوكة في حلق العدو والغصة في بلعومه ولولاهم – بعد الله تعالى – لضاعت القضية منذ أربعينيات القرن الماضي ..    فرح اليهود بهذه العملية " القذرة الغادرة " لأنها - في تقديرهم - ستعيد المجلس العسكري للمشهد السياسي والأمني المصري وستعيد إدخاله من النافذة وتعيد له إمكانية منازعة الرئاسة قراراتها وصلاحياتها بالأخص على الصعيد الأمني والاستخباري وبأخص الأخص في سيناء التي يخشى العدو أن تستقل بها الرئاسة ، وأن يترتب على ذلك تضبيط معادلات تنميتها وإعادة إحياء مشروع تعمير سيناء الذي تأخر حتى الآن أكثر من عشر سنوات فيما كل مخططاته جاهزة ..    فرح العدو وهو يرى محاسيبه – من جماعة " كوبنهاجن " وفلول النظام الساقط عبر إحدى قنواتهم " الفلولية " وقد اجتمعوا - وربما جمِّعوا - يتبارون في صياغة العبارات ونحت الأفكار لربط الاعتداء بالثورة المصرية وبأنه أحد مخرجاتها والإيهام بأن الذين قاموا بها هم محررو الثورة يوم 25 / يناير / 2011 ، وليدينوا إعطاء الرئاسة المصرية لحركة حماس ما لا تستحقه من الاحترام والوعود .. وليحمّلوا المسؤولية لـ" حماس والجهاد " ولمنظمات يقولون إنها إسلامية في المقاومة الفلسطينية .. وكل هذا - بالطبع - قبل أن يعلن أحد مسؤوليته عن العملية وقبل أن يعرف أحد أسماء شخوص من قاموا بها ؛ فضلا عن أن يعرف ملفاتهم وسجلاتهم الأمنية ونسبتهم واتجاهاتهم .. أعجب العجب أن أحد هؤلاء لم يتقبل فكرة أن يكون العدو وراء الاعتداء وأخذته ثورة صياح وزعيق معتبرا ذلك حماية للقتلة " الإسلاميين " حسب قوله .. وأعجب من ذلك أن من كانوا حوله لم يعترضوا على تحليله ولا على رفضه ولا على قلة أدبه ..    آخر القول : هذا الاعتداء " الغادر القذر " لا يمكن أن يكون إلا صهيونيا أيا كان المباشر لتنفيذه ؛ فلا يجوز أن يكون الرد عليه بالتساوق مع الرواية والرغبة الصهيونية الأكثر غدرا والأقبح قذارة ، وعلى النظام المصري " الثوري الجديد " أن يوجه ويصوب الرأي العام الشعبي بهذا الاتجاه لا أن يندفع لفعل ما لم يفعله النظام الساقط من تدمير الأنفاق وتشديد الحصار على غزة أو بالمزيد من التنسيق الاستخباري مع الاحتلال .. الرد الحقيقي يجب أن يكون برفع الحصار عن غزة وبالمزيد من التنسيق مع حكومة الثورة الشقيقة فيها وبعدم إعطاء فلول النظام الساقط فرصة أن يعودوا للمشهد السياسي والإعلامي وادعاء الوطنية واستغفال بل استهبال الشعب الذي سفحوه وسفكوا دمه ولم يرعوا فيه إلا ولا ذمة ..

556

| 09 أغسطس 2012

وجهة نظر .. في تقويم مسلسل عمر

مع كل اعتبارات الإنصاف والاحترام لصانعي مسلسل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ومع كل الشك والعرفان لكل من أخرجوه إلى حيز المشاهدة والاستماع من علماء راجعوا النصوص إلى الكاتب والمنتج والمنفذ والمخرج وجميع الذين جسدوا شخصياته من فنانينا المحترمين إلى الفضائيات التي تبثه.. مع كل ذلك فإن هذا العمل يبقى عملا إنسانيا له مضمون علمي قصصي توثيقي تربوي تأثيري تنتابه الإجادة والإخفاق وتعتريه القوة في مواضع والضعف في مواضع، ويمكن النظر فيه ونقده وتصويبه.. ومن هنا يأتي تسجيلي هذه الملاحظات دون الحاجة لاستفاضة في سرد الأدلة والشواهد والنقول.. وأقول: بداية وقبل الحديث عن المسلسل مدحا أو قدحا لا بد من تقرير أن الفن والإبداع الإعلامي الجاد من إسلامي ووطني وثقافي قد بلغ حدا من الرواج والإنجاز ما ينسب له الكثير من نجاحات حركة النهوض والإصلاح التي نراها تترسم على أرض الواقع في صورة فكر متفوق وروح مقاومة وحرية ووطنية مبثوثة في وجدان شباب الأمة وأجيالها الصاعدة.. رأينا ذلك في الثورات العربية الحديثة حيث تتلاقح أفكار الثوار وتفتح آفاقهم على ثقافة الحرية ورفض الفساد والاستبداد.. ما انتهى لتغيير أوضاع بائسة استمرت عشرات السنين وكان يظن أن تغييرها أبعد من المستحيل.. هذا التقويم للفن.. يؤدي لحقيقتين أو نتيجتين ؛ الأولى: أن إصلاحيي الأمة وعلى رأسهم الإسلاميون في الأعم الأغلب يشعرون بالتصالح مع هذا الإعلام ومع الفن والإبداع الثقافي ؛ بل ويعولون عليه – بعد الله تعالى - لإعادة الاعتبار لكثير من حقائق الدين والاستقلال والشفافية.. التي ران عليها غبار الجهل والشبهة والمنع والعزل لفترات سبقت ظن ظانو السوء بالأمة أنها ستكون نهاية التاريخ.. الحقيقة أو النتيجة الثانية هي: الاقتناع بضرورة مراعاة الموضوعية والإحساس بالمسؤولية الكبيرة كمحدد أساس عند نقد أو رفض ما يعرض على الناس من حيث مضمونه أو من حيث شكله.. أما الذين رفضوا تجسيد شخصيات الخلفاء الراشدين وأمهات وآباء الأنبياء وأزواجهم فأعتقد أنهم لم يرفضوها في الأعم الأغلب – وأنا منهم - لأنهم يختلفون على مبدأ التمثيل أو التجسيد وإنما خشية أن يقصّر نص أو شكل فني أو جهد مخرج أو ميزانية منتج في رسم الكاركتر لأشخاص صنعهم الله تعالى على عينه وحمى بهم البذرة الأولى للوحي المنزل، أحبهم واصطفاهم وورثهم الكتاب وصنع بهم التاريخ وعلى رمزيتهم وهالتهم وهيبتهم تربت أجيال الأمة منذ ذلك الزمن (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا).. هذا ما خشيه الرافضون ؛ وهو بالفعل ما حدث في مسلسل عمر والذي قصّر في خدمة هذه الشخصية الفذة وفي تسليط الضوء عليها في مواضع : 1- فقد رأينا عمر – رضي الله عنه - في المسلسل رجلا وسيطا في الرجال لا يكاد يمتاز عنهم لا بجسم ولا بأثر، طيبا تسيطر عليه الحكمة والأناة واللطف وطول الصمت والفكر، ورأيناه يتفوق عليه كثيرون ممن حوله سواء في أهلية اتخاذ القرار أو في التفات الناس إليه والتفافهم حوله أو في دوره كرأس في الجاهلية.. مع أن العكس من ذلك هو الصحيح فقد كان عمر فذا وفظا في الناس، وكان جسيما حكيما عاقلا مستعليا مهابا جبارا لا يناهزه في كل ذلك من الرجال إلا قلة أبرزهم أبو جهل - عمرو بن هشام – ولهذا لم يكن عجيبا ولا غريبا أن يدعو رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " أن يعز الله الإسلام بعمر أو بأبي جهل ".. لقد كان عمر صخابا قاسيا شديدا على من يكره بل وحتى على من يحب، وقد جمع كل ذلك قبل الإسلام ضد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولإيذاء للمسلمين.. حتى قال قائلهم: "يسلم حمار الخطاب قبل أن يسلم عمر ".. نعم كان الفرق كبيرا بين عمر الكافر الجاهلي العتل القاسي وبين عمر المسلم القوي أيضا.. حتى صار هذا الفرق مثلا يضرب لأثر الإسلام في تغيير النفوس وترويض القساة الجواظين.. 2- المعروض من المسلسل حتى الآن تناول أحداث السيرة بعمومها ما يخص منها عمر – رضي الله عنه - وما لا يخصه.. وبعض الأحداث لم يكن لعمر فيها دور ما أعطي الانطباع بأن الكاتب وقع في الإقحام والإطناب وأنه يبحث عن سعة لا يجدها في سيرة عمر.. فأغرق شخصية عمر في شخصيات أخرى لها تعلق بالسيرة النبوية (كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو..) وكان على الكاتب أن يدور مع عمر قبل الإسلام وبعده، ولو فعل لوجد الكثير الذي يكفيه عما يعتبر حشوا وسردا محوره السيرة النبوية وليس السيرة العمرية.. صحيح أن داخل السيرة النبوية تدور السيرة العمرية وصحيح أن بين السيرتين تداخلا.. لكن هذا أيضا كان التحدي الأبرز للكاتب وقدرته على رسم السياق داخل السياق دون أن يغيب عن المحور الذي سمى المسلسل باسمه.. 3- دارت شخصية عمر في المسلسل حول مجموعة من الأحداث جوهرها مواجهات بين الإسلام وخصومه مع إيقاعات من العداوة والشد والجذب.. ضمن المعروف المعهود من أحداث السيرة.. وفي ذلك ما فيه من تساوق مع الذين ينظرون للتاريخ الإسلامي على أنه حالة من الصراع والدماء والمواجهات المستمرة التي لا تنتهي منها جولة حتى تحل أخرى على ذات النسق.. كنت أود أن أرى عمر - رضي الله عنه – في حالاته الإنسانية العادية ؛ في بيته ومع أولاده ووالده وزوجته ومع جيرانه، وأرى تصرفه في الرضى والغضب، وعواطفه وخلجاته، ونومه ويقظته وعسره ويسره – إضافة لقوته وهيبته التي انتقلت معه في الإسلام.. كان ينبغي أن يشمل كاركتر عمر – رضي الله عنه – أبعاد علاقته مع أبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وكنت أتمنى لو أن الكاتب صدر من خلال الحوار الذي أداره لشخصية عمر رسالة التربية لأبنائنا ورسالة الحب لدعاة الكراهية المذهبية، ورسالة القوة والإصرار والحرية لثورات الربيع العربي، كنت أتمنى أن تصدر رسالة توعية وتجديد لدعاة الإسلام.. أرجو أن يتضمن الجزء المتبقي من المسلسل كل هذه الرسائل التي خلا منها تقريبا الجزء المعروض حتى الآن.. آخر القول: مع أننا نثمن ونشجع على الجرأة في تجسيد الشخصيات التاريخية المؤثرة التي تعتبر رموزا ومعاني للإسلام ذاته لكي تطرق السمع والبصر والفؤاد ؛ إلا أن هذه الجرأة يجب أن تمتزج بخوف على الصورة الذهنية الكبيرة المتخيلة لهم وأن تنضبط بإحساس بالمسؤولية خاصة إذا كان العمل الذي يتناول هذه الشخصيات أولا في مجاله ويرسم الصورة المرجعية لكل ما يأتي بعده.

3618

| 02 أغسطس 2012

مسلمو ميانمار.. هل هم إخواننا؟

فوجئ كثيرون بتصريح الأمم المتحدة " الأخير " بخصوص ما تتعرض له الأقلية المسلمة في ميانمار من اضطهاد، ثم نقلت الأخبار ما بدا أن سفير تلك الدولة في مصر يحاول به تطويق التداعيات إذ صدّر رسالة اعتذار لم تحمل أي تفاصيل أو تعهدات بمحاسبة المعتدين – النظام الرسمي – أو بالتحقيق أو بحل الأزمة أو بمنع تكرارها.. رسالة الاعتذار هذه وبهذه الكيفية تحمل في طياتها استهانة بمن صدرت لهم واستخفافا باهتمامهم بالقضية وتستبطن اعتقادا مهينا بأن العرب يكفيهم أن يسمعوا اعتذارا إجماليا في مقابل الخبر عن الأمم المتحدة لتكون المسألة منتهية عند هذا الحد.. بعض منا يحاولون استغفال ضمائرهم عن هذه المأساة بدعوى أن في منطقتنا وحولنا من المشكلات والأزمات وصور الجثث وأخبار القصف ما يصبغ وجه الأخبار ويستولي على الاهتمام؛ فماذا تكون " ميانمار " التي ربما لا يعرفها كثيرون – كدولة – فضلا عن أن يعرفوا عن مأساة المسلمين فيها كأقلية أو كصراعات طائفية؟! وأقول: إن ما يقع على المسلمين هناك أكثر من أن تعبر عنه كلمة " اضطهاد " التي قالها المتحدثون باسم الأمم المتحدة؛ وفي الحقيقة هو تطهير عرقي ممنهج وسياسة رسمية علنية تمارسها الدولة والنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عن بريطانيا قبل سبعين سنة ؛ منهجية إجرامية تقع كل عشر أو عشرين سنة (1942، 1962، 1978، 1988، 1991..) وفي كل مرة كان يبتلى بها عشرات ومئات الآلاف من المسلمين المسالمين! وإلا فلماذا يُستقصدون من بين 135 عرقية وقومية ممن يتطوفون بالبوذية.. الجرائم التي يتعرض لها المسلمون هناك تشمل القتل والتهجير إلى اغتصاب النساء وسياسات القهر والإيذاء وحظر الزواج وسحق المواطنة وتفشي الأمراض ومنع التعليم والسفر والتوظيف وحق البيوت.. والهدف واضح؛ هو السيطرة على عدد المسلمين وإبقاؤهم في نسبة معينة داخل الـ 135 قومية وشعبية تتكون منها الدولة. ليس لأحد أن ينشغل أو يتشاغل عن مأساة هؤلاء وهم إخوان لنا ومن المسلمين مثلنا وتجمعنا بهم النصرة ويفترض أن دمنا ودمهم واحد وإن سلمنا وسلمهم وحربنا وحربهم واحدة؛ هذا ما قرره القرآن الكريم في قوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وهو ما أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم".. هذه القيمة الدينية والأخلاقية تصح في فرد واحد وفي مئات الآلاف إذا تعرض أو تعرضوا للعدوان.. فكيف إذا كان القتل والتهجير والاغتصاب ذريعا يطاول قومية كاملة؟ وكيف إذا كان صريحا يقر به فاعلوه دون وجل أو خجل وكانت تنقله وتصوره وتقيم فيه الحجة وسائل الإعلام؟! وكيف إذا كان العالم يصم أذنيه ويعشي عينيه عنهم وعن مأساتهم؟! لقد قرر الإسلام في أحكامه أن من قتل شخصا واحدا ظلما وعدوانا - وبصرف النظر عن دين المقتول أو عرقه أو بلده - هو في ميزان الله تعالى كمن قتل الناس جميعا، وأن من أحياه – وبصرف النظر عن كون الإحياء ماديا أو معنويا – فكأنما أحيا الناس جميعا؛ ولأجل هذا لم يكن غريبا ولا عجيبا أن نجد الفقه الإسلامي وكتعبير عملي منه عن هذه القيمة الفكرية والأخلاقية والإنسانية يتجاوز التنظير المفاهيمي ويقرر أن الحفاظ على الحياة من الضروريات التي تتغير بسببها ولحمايتها أحكام الشريعة، ثم نجد المسلمين المحترمين الفاهمين دينهم الملتزمين بمضمونه ومفهومه يخوضون حروبا فاصلة من أجل آحاد أو عشرات قتلوا أو انتهكوا ظلما وعدوانا ؛ معركة مؤتة في صدر الإسلام كانت من أجل رجل واحد هو الحارث الأزدي رضي الله عنه قتله عامل الروم على بصرى وهي شاهد على ذلك، وفتح مكة أيضا كانت شاهدا آخر عليه إذ جاءت ردا على قتل بني بكر الذين تدعمهم قريش بضعة رجال من خزاعة غدرا وعدوانا، ومن بعد ذلك كان فتح عمورية وهزيمة الروم فيها لأجل امرأة لطمها علج منهم.. هذا الخلق (أو لنقل: هذا المفهوم الحمائي للدم والكرامة) ومع شديد الأسف تخلف كثيرا ولم يعد في معظم الأحيان فاعلا بين المسلمين في زماننا؛ وما قضية مسلمي " ميانمار " إلا واحدة من الإشارات والدلائل على ذلك.. نعم.. المسلمون في العموم يتعاطفون ويهتمون ببعضهم ومآسيهم والمأمول أن ذلك سيتوطد أكثر وأكثر في ظل ثورات الربيع العربي التي يؤمل أن تصلح الكثير من العوار الذي ينتابنا.. ولكن؛ الاهتمام لا يزال حتى الآن أقصر من أن يطال كل الشأن وكل المسلمين؟ ولا يزال أقصر من أن يحرك ويوجه الرأي العام؟ ولا يزال كثيرون حتى من المهتمين يتساءلون ماذا نستطيع أن نفعل في حين أن شبانا من الغرب لم يبلغ بعضهم سن الرشد يأتون من بلدانهم البعيدة وعلى بعد من العقيدة والمذهب والعرق يعرفون ما عليهم ويجترحون المغامرات في ذلك؟ ولنا أن نتساءل: أين الذين يدافعون ليل نهار عن حقوق الأقليات في العالم ويجيِّشون القانون الدولي معهم في سبيل تمهيد التدخل في شؤون الدول الصغيرة.. أين هم من هذه المعاناة؟ وأين الذين ينوحون ويبكون " ويمرطون " الخدود ويشقون الجيوب ويقيمون المحاكمات " المشبوهة " ضد خصومهم السياسيين بحجة انتهاك القانون الدولي إذا كان المستهدف بلدا إسلاميا؛ أين هم مما يجري هناك؟ أم أن حقوق الإنسان تتلون بتلون المصالح والأعراق ولون الشعر والعيون؟. ولنتساءل عنا نحن: فأين إعلامنا الذي يجب أن يتبنى قضايا الأمة وأن يوصلها إلى مسامع واهتمام الناس، وأن يساهم في تشكيل رأي عام من حولها؟ وأين النخب المثقفة ودعاة الوعظ الديني الذين يتحدثون بلغة القرآن والأخوة والفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة؟ وأين نظمنا ودولنا ومنظماتنا الأهلية والرسمية؟ وأين منظمات حقوق الإنسان في عالمنا العربي والإسلامي؟ وأين جامعة الدول العربية؟ وأين منظمة التعاون الإسلامي؟ (أو منظمة المؤتمر الإسلامي)؟ وأين المبدعون والفنانون الذين يقطعون أنفسهم خوفا على (إبداعاتهم وفنونهم) من حكم الإسلام السياسي؛ أين هم وأين إبداعهم وفنهم، ولماذا لا نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزا؟ وإلى متى ستستمر هذه المعانيات؟ وإلى متى سيظل النظام الحاكم هناك آمنا في جرائمه لا يحسب حساب مسلمين ولا مؤسسات دولية؟ وبماذا سيجيبون ربهم يوم القيامة أولئك المشغولون بالمنافسة على أكبر طبق بيتزا وأكبر رغيف خبز وأكبر صينية مجبوس؟. آخر القول: على حدود بنغلاديش من جهة ميانمار يتواجد اليوم أكثر من 150 ألف مسلم من قومية الروهنجة المسلمين مطرودين من بلدهم في دفعة جديدة بعد دفعات سبقتها (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) فإن لم يعننا أمرهم كإخوة لنا وكمسلمين تجمعنا بهم رحم الإسلام وأخوة الدين فلا أقل من أن تجمعنا بهم الإنسانية وأخلاق المروءة.. وإلا فما دعوى الإسلام إلا كلمة تقال ودعوى بلا دليل..

466

| 26 يوليو 2012

رمضان .. الذي على الأبواب

عندما يقدم علي ضيف فإنني أحدث أبنائي عنه وأهيئهم لاستقباله وليعرفوا له حقه وينزلوه منزلته، ومع كل موسم سنوي كالدراسة والإجازات والأعياد.. فإنني أحضرهم لذلك وأعدهم له بالاستعداد وتقرير دور كل واستحقاقاته وواجباته.. فهل إذا قدم علينا رمضان ننسى أن نتحضر له وأن نتعرف عليه؟ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل رمضان يذكّر أصحابه ويهيئهم له بقوله " قد جاءكم شهر مبارك افترض عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر؛ من حرم خيرها فقد حرم "..  وأسأل نفسي؛ إذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بحاجة لهذه التهيئة؛ وهم الذين كانوا معه على جهاد دائم واجتهاد ومواكبة متواصلة للأحداث يصنعونها معه ويسجلون وإياه للتاريخ ما لا نزال نعتز به ولا تزال البشرية بكل ألوانها وأطيافها مبهورة بروعته بعد أزيد من ألف وأربعمائة سنة، وبالتأكيد لم يكونوا غافلين ولا مضيعين لعباداتهم وشعائر دينهم وعلى العكس من ذلك كانوا يجهدون أنفسهم في العبادات ويقدمون الشاق منها على المريح المحبوب ما اقتضى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق.. " ؛ أقول: فإذا كان هذا حاله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وهذا حالهم من العبادة والاجتهاد ؛ فماذا سيكون حاله لو رآنا اليوم ورأى ما نحن عليه وما نحن بحاجة إليه.. ونحن - نحن - في التقصير والشر والانحراف؟ وأقول:  جدير بنا ونحن على بوابة هذا الشهر أن نتذكر أنه الشهر الذي تتوحد فيه الأمة الإسلامية وتجتمع على وجهة واحدة شعوريا عاطفيا ومشاعريا دينيا، ميزة هذا المعنى في أن أعداء الأمة طالما حاولوا وحرصوا على تفريقها وتمزيقها وربما نجحوا لما في أيديهم من إمكانات في بعض وجوه ذلك خصوصا فيما مضى ؛ لكن الأمة اليوم تتوحد وليس على قومية ولا عرقية ولا مصلحية بل على شعيرة عبادة ووجهة دين تلتقي عليه الأمة بكل ألوانها وجنسياتها وجغرافياتها..  لقائل أن يقول: لكن المسلمين لا يجتمعون على أول الشهر ولا على آخره ؛ بعضهم يتأخر يوما أو يومين في حساب أول الشهر أو في حساب آخره! ولقائل أن يقول: والمسلمون ليسوا كلهم يصومون وإن صاموا فليسوا كلهم يفقهون معنى الصيام.. وأقول: هذا صحيح وهو من الكيد الذي " نجح " فيه الأعداء، لكن ؛ لو تجاوزنا اليومين الأولين من الشهر واليومين الأخيرين منه ونظرنا إلى الستة والعشرين يوما المتبقية منه، ولو تجاوزنا القلة الذين لا يصومون فسنجد المسلمين كلهم صائمين؛ أليس هذا جمع لكلمة المسلمين وتوحيد لمشاعرهم وشعائرهم؟ أما أنهم لا يفقهون معنى الصيام ؛ فهذا صحيح إلى حد بعيد..  هذا لا يعني أنني أقر الاختلاف أو أنكر وجوده فيما يتعلق بأول الشهر وآخره.. وقبل أن أغادر هذه النقطة لا بد من توضيح المسألة فقهيا وفكريا وببساطة وأقول: الخلاف هنا - وبالقطع لا الظن - ليس لزيادة تدين المخالفين واجتهادهم في موضع الاجتهاد ومحتملاته ؛ ولكنه " لكبر رأسهم " وأنفة من أن يعلن الصيام غيرهم.. وليس لأحد اليوم أن يحتج باختلاف المطالع لتأخير إعلان بداية الشهر أو تقديمه.. والمسألة بينة واضحة محسومة في نقطتين لا يختلف عليهما إلا صاحب هوى ؛ النقطة الأولى هي: أن بداية الشهر ونهايته محسوبتان ومرتبطتان بحدث فلكي كوني لا يخص دولة دون أخرى وهو عام لكل الدنيا لا لدولة دون أخرى والحدث هو " رؤية الهلال ".. والنقطة الثانية: هي أن رؤية جمع ثقاة مسلمين أقلهم اثنان عدلان في أي بلد تكفي لإثبات الصيام وهي حجة على من سواهم في مشارق الأرض ومغاربها؟ ولكنه المكر والكيد والنفوس المريضة بالكبر والبعاد عن الأمة وحب الظهور والجهل والذي يجعل الواحد منهم يرى ذاته ورأيه أكبر من الأمة ومن اجتماعها ومن دينها وشعائرها وأكبر من هذا الركن الركين في الإسلام..  أعود لقضية أن الكثيرين لا يفقهون معنى الصيام وأقول: هذا صحيح ؛ وجدير بنا ونحن على بوابة هذا الشهر المبارك أن نؤكد أن رمضان في الوجدان الإسلامي عموما – والحكم للأعم الأغلب - هو شهر القرآن وشهر الإسلام وشهر تأكيد الولاء والبراء على أساس توجيهاته وتكاليفه وأحكامه في سلوكنا ومفاهيمنا وقناعاتنا.. ومع ذلك فالعجب من بعض ضيوف القنوات الفضائية الذين يتحدثون بمناسبة قرب الشهر المبارك وهم مثال للسيئ المنتقد في فقه معنى الصيام ومردوداته على السلوك ؛ أحدهم جلس في مقابل مذيعة لم تكتف بكشف شعرها وتبرج وجهها وألوان الملابس التي اختارت أن تلبسها، ولكن في مقابل مذيعة لبست ما يكشف ذراعيها وبعض صدرها وما ينحسر عن ركبتيها.. وكأنها تقصدت إهانة معنى الاستضافة وتقزيم صورة الضيف الذي ليس له عذر في تقبل ذلك.. وما قيمة أن يتحدث عن عظمة صيام نهار رمضان وعن روعة قيام ليله وعن أنه السبيل الأقصر إلى ولوج الجنة.. وآخر اعتدنا أن نسمعه يرفض بشراسة حكم الإسلام في مصر، وطالما سمعناه يهاجم الإسلام السياسي ويبشر باللبرالية المسفوحة في مصر بعد " البرلمان الإسلامي " و " الرئيس الإسلامي " هذا الآخر أعلن - قبل يومين - أنه سيتوجه في رمضان إلى مشاهديه بحديث يومي عن الإسلام وعن نفسه وكتبه وإبداعاته – أو بدعه - في الإسلام.. أرجو ألا يظن أحد أنني أتحدث عن شخص مجرد مخالف في الرأي.. وإلا كنا بالفعل في وارد غير وارد الإسلام الذي يأمر بالحشمة ويقيم العلماء قدوات فيما يقولون وفيما يفعلون..  مشكلة بعض " وربما الكثير " من المسلمين اليوم أنهم تعلقوا بشكل الدين دون جوهره، وأنهم يصومون صوم الامتناع عن الطعام والشراب (أي عن الحلال ولكنهم لم يصوموا عن الحرام ؛ ولم يصوموا عن فاحشة القلب من كره وكبر وشهوة فاجرة، ولا عن فاحشة العقل من شبهة في الرأي وبدعة في الدين ومن ولاء في غير طاعة الله وعداء لغير مكاره الله تعالى، ولم يصوموا عن فاحشة القول ؛ الغيبة والنميمة وشهادة الزور والتطاول على الناس.. ولا عن فاحشة الفعل والعدوان على حمى الله تعالى ومحارمه وأموال وأعراض ودماء الناس..  جدير أن نتذكر ونحن على أعتاب الشهر الفضيل أنه شهر الانتصارات الكبرى للمسلمين عبر سنوات وأزمان من تاريخه ؛ فقد كانت المعارك الفاصلة في تاريخ هذه الأمة في رمضان دائما وبالتأكيد ليس ذلك عن خبط عشواء أو عن مصادفة – ففي رمضان كانت غزوة بدر وفتح مكة - أول الغزوات وآخرها - ضد معقل المشركين في مكة، ما كسر شوكة مشركي الجزيرة العربية كلها ومهد للإسلام موطنا وأمنا للانطلاق في الدوائر الأوسع، وفي رمضان كان فتح عمورية ومعركة حطين اللتان حطمتا كبرياء الصليبيين وأوقفتا زحفهم وقلبت النصر عليهم حتى بودل الأسير الصليبي برباط نعل مسلم في النهاية، وفي رمضان كانت معركة عين جالوت التي كان شعارها " واإسلاماه " والتي ردت وكسرت شوكة التتار الذين سبق أن أفسدوا في الأرض وقتلوا كل حياة وظن الظانون أنها نهاية التاريخ.. ولسنا ننسى أن النصر الكبير في عصرنا الحاضر على العدو الصهيوني كان في رمضان 1973 ؛ فهل عرفنا لماذا جاءت آيات القتال والجهاد عقب آيات الصيام مباشرة في سورة البقرة؟! وهل لمحنا علاقة العزيمة على الصيام بالعزيمة على القتال؟ وعلاقة الصائمين العابدين بانتصارات الأمة وصناعة تاريخها؟!  آخر القول: بالتأكيد لو أردنا أن نستفيض في تسجيل خواطرنا حول رمضان ومكانته في الوجدان وما ينبغي أن يجريه من تغييرات في واقعنا الشخصي الخاص والإسلامي العام لما كفانا مقال ولا مقالات.. ولكنها محاولة لتلمس جانب مما لا يدرك كله ولا يترك جله.. نسأل الله تعالى أن يقسم لنا صيام يومه وقيام ليله وأن نفهمه كما فهمه من سبقونا في الخير من أجيال هذه الأمة ؛ رمضان الانتصارات ورمضان حسن الالتزام ورمضان وحدة الأمة.

2033

| 19 يوليو 2012

الثورة في مصر .. لابد أن تكتمل

ما يقوم به المجلس العسكري والمحكمة الدستورية ونادي القضاء اليوم في مصر وتدارؤ كل منهم بالآخر لتمرير ما يريد ضد الرئيس والبرلمان المنتخبين وضد الثورة ؛ إنما هو في الحقيقة تعبير مادي ودليل صريح مرصود ومشهود على المعركة - أو عن بقية المعركة - المستعرة بين الثوار الحالمين بمصر الحديثة بعيدا عن الاستبداد والفساد وعسكرة الدولة وبين فريق النظام السابق وهيئاته ومؤسساته ومتعينيه الذين تولوا الحكم من بعد الساقط ولا يريدون التخلي عنه.. أما الأدلة على ذلك فهي أمام كل صاحب نظر وأكثر من أن تحصر.. وإلا فلماذا يصدر " المجلس العسكري " قبيل ساعات من تنصيب الرئيس ما أسماه " الإعلان الدستوري المكمل " ويسحب به أهم صلاحيات الرئيس؟ وما الذي يعنيه وصول قرار المحكمة الدستورية إلى المطابع الأميرية قبل ثلاث ساعات من صدوره وفي الوقت الذي تجري فيه المرافعات والمداولات بخصوصه؟ ولماذا تجتمع الهيئة العامة للمحكمة الدستورية وتصدر قرارا ضد الرئيس في غير اختصاصها وخارج ولايتها بل وخارج ولاية القضاء كله؟ وبأي منطق يصرح رئيس نادي القضاة – الزند – بأن القضاة لن يلتزموا بقرارات مجلس الشعب.. وأقول: هذا الذي يجري اليوم في مصر يجب أن يتوقف، ويجب على كل طرف أن يقف على مسؤولياته في ذلك.. ولمن يريد أن يتبين موضع الصواب لموقفه ولرأيه فيه ثمة حقائق لا يجوز أن تغيب عن البال ولا يجوز الاختلاف عليها.. 1- المشكلة لا تنحصر في قرار ولن تنتهي بالتراجع عنه أيا كان القرار وأيا كان المقرر وأيا كان المبرر.. ولكنها في توابع وعناصر النظام الساقط المتشبثين بالحكم والمعتقدين أنهم يستطيعون الاحتفاظ بمميزات جوهرية مكتسبة منه، وما تذرعهم وتدارؤهم بالقضاء إلا بأكثر من تكئة لتمرير انقلابهم على الثورة.. المشكلة لن تنتهي إلا بتطهير المؤسسات التنفيذية والإعلامية والقضائية من هؤلاء وإرجاعهم لما يجب أن يكونوه من مهنية وحيادية. 2- كان على الثورة منذ البداية ألا تنجر إلى منصات القضاء ومكملات وملحقات دساتير أعدها ويعدها أعداؤها الذين تربوا في أحضان النظام السابق ورضعوا من لبنه.. الأعجب أن تصير نصوص هؤلاء وشخوصهم محصنة من النقد والنقض أكثر من رئيس الجمهورية وقراراته والبرلمان وعشرات الملايين الذين انتخبوهم. 3- المجلس العسكري يفترض أنه ليست له سلطة على الرئيس ولا على البرلمان ولا على الحكومة، ويفترض أن رئيسه وزير الدفاع فوقه رئيسه رئيس الوزراء الذي فوقه رئيس البلاد.. فأي قلب لهذا الترتيب هو في الواقع انقلاب على منطق الدولة بكل معنى الكلمة وعلى الدستور وعلى القانون وليس تصويبه هو الانقلاب. 4- القضاة ما داموا في حمى القضاء بصفتهم وموقعهم يجب أن ينأوا بأنفسهم عن المحاور السياسية والتجاذبات الحزبية، وعلى شخوص القضاة أن يقطعوا علاقتهم بالأحكام بعد إصدارها. 3- الصراع الذي يخوضه المجلس العسكري وجهاز القضاء ضد الرئيس وضد الثورة هو في المعطى النهائي يصب في تقليل شأنهم وشأن الرئيس وإضعاف أداء وصورة الدولة كلها وتقليل هيبتها داخليا وخارجيا وهو أرضية خصبة لتبديد منجزات مصر كمصر وليس الثورة فقط لذا يجب أن تتجه كل الطاقات والعبارات والمواقف لمنعه أصلا وتطويقه فرعا. 4- يجب أن ينظر للرئيس كحاكم فوق السلطات وكأب لها ولكل المصريين من يوافقونه الرأي ومن يعارضونه، ولا ينظر إليه كطرف خصومة أو كممثل لجهة أيا كانت.. وغير صحيح أنه مجرد سلطة تنفيذية كما يردد معارضوه.. هذا إذا كنا نتحدث عن رئيس منتخب وجاء محملا بسيرة نزيهة ووعود ممكنة وخطط طموحة " وهذا ينطبق تماما على السيد " مرسي " فكان الأولى أن يحترم لذاته قبل الفوز ولمكانته وهمته ووعوده بعده. 5- المجلس العسكري وجهاز القضاء ليسوا في مواجهة " الإخوان المسلمين " وحدهم ؛ ولكنهم في مواجهة الشعب المصري والثورة المصرية لذلك ليس مصادفة أنهم يستهدفون محصلتي الثورة حتى الآن " البرلمان ـ الرئيس " ولأنهم في مواجهة الشعب والثورة فهذا هو الذي أضعفهم وأقصر أيديهم عن البطش بالناس، هذا المفهوم يجب التنويه إليه في كل آن وتقريره في كل وجدان وهو ذاته الضمانة لانتصار الثورة. 6- على الثوار المصريين - اليوم - وعلى كل فصيل أو اتجاه يعززهم أن يعتصموا بعد الله تعالى بثورتهم وبشعبهم وأن تظل بوصلتهم وبوصلة أنصارهم ومؤيديهم فقط في مواجهة الثورة المضادة وأن يحافظوا على نزع ذرائع أي صدام عنيف ليحافظوا على السلمية والشعبية التي أنجتهم من معضلات كبيرة ومعيقات كثيرة حتى الآن. 7- لا يجوز أن يخدعنا ما يجري في مصر - اليوم – مع ما فيه من العنت والتخويف والحشد الإعلامي عن حقيقة أن فلول النظام الساقط يتراجعون ويحرقون المزيد من أوراقهم كل يوم. 8- ما يجري في مصر ليس شرا كله.. وإنما هو عملية فرز وتمحيص تجري الآن على أشدها؛ تمحيص يتمحص فيه المؤمنون وتجتمع كلمتهم بعد أن باعدتهم الانتخابات وغرور النصر المستعجل الهين.. وينكشف فيه المنافقون من نواب وأحزاب ورموز إعلامية تأكد أنهم مهما قالوا ومهما ادعوا التوبة والأوبة ليسوا إلا شعرات في ذيل الحزب المنحل والنظام الساقط. 9- كل ما حققته الثورة المصرية حتى الآن من إطاحة برأس النظام وانتخاب البرلمان والشورى وقطع الطريق على مرشح الفلول ثم الإتيان أخيرا بالرئيس المنتخب وقدرتها المتواصلة على حشد الملايين في الميادين في مقابل عجز الآخرين رغم كل مالا يزال بأيديهم من مراكز الثقل.. كل ذلك يؤكد حقيقة أن الثورة تواصل تحقيق الإنجازات وأنها ستنتصر – بإذن الله – وأن البلبلات –" والفرفطات " التي ترى على الآخرين ما هي بقية معركة الثورة أو هو رعشة المذبوح الذي ما يلبث أن يسلم الروح ويفارق الحياة.  آخر القول: ليس صحيحا أن ما يقوم به العسكر والمحكمة الدستورية العليا في مصر هو لحماية القانون أو لحماية الدولة أو اعتصام بالدستور.. فهذه كلها صارت أدوات صغيرة يستخدمونها في معركتهم؛ ولكنها في الحقيقة حرب على هيبة الدولة وعلى مكانة الرئاسة وعلى قداسة القضاء وعلى ضمانة الجيش وحصانة البرلمان.. وقد بات واضحا أن منطقهم «تخرب بيدي ولا تعمر بيد غيري».

425

| 12 يوليو 2012

ليفرح الإخوان وأحبابهم وأنصارهم

يتحرج كثير من الإخوان المسلمين من إبراز فرحتهم بفوز الدكتور مرسي إما لأنهم يعتبرون هذا الفوز تكليفا لا تشريفا ويعتبرونه نصرا ولكن تحفه المسؤوليات والمخاطر وينتظره ما ينتظره من التحديات، وإما لأن أخلاقهم وما تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن اللياقة تفرض على المنتصر أن يطامن وأن يتواضع ولا يظهر الشماتة والفرح فيما الخصم يتلوى بحزنه ويتلفع بترحه.. ربما أيضا لأن الإخوان لم يتعودوا على الفرح وأن تاريخهم الطويل منذ تأسست جماعتهم تقلب بين الحظر ورد الإشاعات ودخول المعتقلات والعمل السري.. لكن ومع أن لكل هذه الاعتبارات تأثيرها وحقيقتها.. فإن على الإخوان المسلمين أن يفرحوا وأن يظهروا سعادتهم وعلى أنصارهم وأحبابهم أن يفرحوا معهم.. وعليهم أن يتركوا للطبيعة السيكيولوجية والبيولوجية أن تأخذ مجراها ومداها في التعبير عن هذه اللحظة التي هي من أيام الله تعالى الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء.. وبالتأكيد ليست عادية ولا هي لمحة بسيطة أن يجلس مرسي على ذات كرسي الحكم الذي ظلمه، ومكان ذات المستبد الذي قهره وسجنه (إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم) يوسف 100.. وأقول..  ليفرح الإخوان المسلمون وليس عليهم أن يتحرجوا من ذلك لأن منهم صار رئيس الجمهورية بما له من سلطات ومقتضى إمكانات، وهي منزلة تطمع فيها كل جماعة وكل حزب وكل اتجاه، وتعتبر غاية منازل النجاح ؛ نجاح للمنهاج الذي هو هنا الإسلام والوسطية والشعبية والسلمية والوطنية والثورية والمقاومة ورفض الاستبداد والفساد.. ونجاح للناس الذين حملوا هذا المنهاج وجسدوه واستطاعوا أن يتمثلوه وأن يبرهنوا بسلوكهم وقناعاتهم وتضحياتهم أنه منهاج عملي واقعي وأن الوصول به للغايات الكبرى ممكن وحقيقي.. قيمة هذه الميزة أن منطقتنا تعج بالمناهج الدخيل منها والأصيل والذي منحاه شكل درويشي أو نظري جدلي أو تطرفي دموي.. وقيمتها أن يؤمن الناس بالثورة وبقدرة شعوبنا على التغيير..  وليفرح الإخوان المسلمون وأحبابهم وأنصارهم وليس عليهم أن يتحرجوا من ذلك والاحتفال به لأن الله تعالى جنبهم وجنب مصر معركة مع الجيش والفلول – لو كانت النتيجة معكوسة – ولسنا ننسى كيف كان شفيق يتهدد ويتوعد ثوار التحرير بأنه سينهي اعتصامهم في ربع ساعة.. ذلك لا يعني إلا بحرا من الدماء.. فالذين في ميدان التحرير لم يخرجوا لمائة جنيه يرتزقونها.. وبالتأكيد لم يكونوا ليعودوا بوعد أو بوعيد.. وهم ليسوا كالذين كانوا في مدينة نصر الذين ما إن انتهى رئيس لجنة الانتخابات القاضي فاروق سلطان من إعلان فوز مرسي حتى انفضوا إلى بيوتهم خلال أقل من ساعة.. لقد جنب الله تعالى مصر والإخوان مواجهة لم يكن إلا الله تعالى يعلم ما كانت ستؤول إليه أو تنتهي عنده.. السؤال عندئذ لن يكون من الذي فاز ولا من الذي انتصر ؛ ولكن ؛ كم سيكون قتل من الأبرياء؟ وهل سيبقى الجيش المصري جيشا؟ وهل ستبقى مصر مصر التي نعرفها؟ والسؤال أيضا: هل كان الإخوان سيقفون متفرجين أم سيضطرون للدفاع عن الثوار والثورة وعن أنفسهم كما فعلوا يوم موقعة الجمل مثلا؟ لقد (كفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) الأحزاب 25.  وليفرح الإخوان المسلمون وأحبابهم وأنصارهم لأن أمتهم فهمتهم واختارتهم وأحبتهم واقتنعت بهم رغم كل ما قيل ويقال وكتب ويكتب عنهم من تهديدات وتخويفات وتحليلات كلها إساءات وإشاعات وتشنيعات ومظالم ظلامات من دون أخلاق مهنية ولا أخلاق دينية ولا أخلاق إنسانية ولا تقيم اعتبارا لأخوة ولا لرفقة ولا لجوار ولا لوطنية عبر أكثر من ثمانين سنة.. فاز مرسي وفاز برنامج الإخوان رغم أن خصومهم كانوا – في الفترة الأخيرة - يصدرون في كل يوم ومع كل مفجر نهار ومغرب شمسه أكثر من 135 مقالة وأكثر من 250 صفحة جرائد وأكثر من 120 ساعة بث فضائي..  وليفرح الإخوان المسلمون وأحبابهم وأنصارهم بفوز مرسي الذي جاء محصنا بالاتفاق وعودة التفاهم والتنسيق مع القوى الثورية والإسلامية من سلفيين واشتراكيين وشيوعيين و6 أبريل وليبراليين وشباب.. اتفاق تجاوز النظريات والعاطفيات وسوء الظن إلى التعاون والتحالف وإلى توزيع الفعاليات وإلى تفاصيل المشهد وتجاوز الحاضر والمخاطر إلى أفق المستقبل وإلى الشراكة الحقيقية.. ليفرح الإخوان المسلمون بهذا الذي هو فكرهم ومنهاجهم ورغبتهم وقناعتهم وصورتهم الحقيقية التي طالما حال الظلاميون المستبدون والمتهرئون الفاسدون دون وصولها للناس.. الإخوان المسلمون لم يعودوا " ابن الضرة " المنبوذ عادة والمتهم دائما.. ومن لا يحبهم صار اليوم ينافقهم..  ليفرح الإخوان المسلمون وأحبابهم وأنصارهم لأن فوز مرشحهم يعني أن ثورتهم نجحت وسيكون لذلك أثره على مجمل حراكات المنطقة ؛ وعلى القضية الفلسطينية خاصة ثم على بقية الثورات.. ولأن روح الحرية والاستقلال والإحساس بالاحترام الذاتي كلها صارت مصطلحات سنراها ونسمعها في لغة الدبلوماسية المصرية بدلا من لغة " الفأفأة والتأتأة " ومنطق التبعية والسقوط والدولة الوظيفية التي كان يمكن أن تعود إليها مصر لو فاز المنافس الفلول..  آخر القول: إن فرح الإخوان فهم لا يفرحون بما يجمعون من فوز مرشحهم بالرئاسة أو مرشحيهم للبرلمان، ولا لأن منصب الرئاسة غنيمة غنموها أو " تورتة " تقاسموها.. ولا يفرحون لغفلتهم عما ينتظرهم من تحديات وإشكالات.. ولا يفرحون بالتهاني البروتوكولية التي رفعها زعماء ورؤساء عالميون للسيد مرسي بالمناسبة والتي تخفي وراءها ما تخفيه من كيد تليد ومكر أكيد.. وهم لا يفرحون لأنهم غافلون عن خطورة ما سيطالب به بعض المؤيدين والمتحالفين مما "يحتحت" المشروع.. كل ذلك في بال الإخوان المسلمين وهم يعبرون عنه ليل نهار.. ولكنهم يفرحون بنصر الله ينصر من يشاء، ويفرحون برحمة الله تعالى بهم، ورعايته لمصر خير أجناد الأرض.. (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) سورة يونس 58.   

498

| 27 يونيو 2012

لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟
لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟

في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...

8931

| 20 سبتمبر 2026

كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟
كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟

قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...

4848

| 22 سبتمبر 2026

خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي
خليجي جدة وصوت الإعلام الرياضي

نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...

4155

| 23 سبتمبر 2026

من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!
من حمد الطبية إلى القطاع الخاص.. والحلقة المفقودة؟!

جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...

2796

| 24 سبتمبر 2026

الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام

ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...

2184

| 23 سبتمبر 2026

باب المندب.. خطر يحدق بالعالم
باب المندب.. خطر يحدق بالعالم

لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...

1344

| 20 سبتمبر 2026

عودة أصالة إلى سوريا
عودة أصالة إلى سوريا

شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...

738

| 21 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب
شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...

675

| 23 سبتمبر 2026

هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟
هل آن أوان المشروع العالمي للصم؟

في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...

501

| 22 سبتمبر 2026

هل تنجح دول التعاون في إنهاء حرب أمريكا وإيران؟
هل تنجح دول التعاون في إنهاء حرب أمريكا وإيران؟

الحاقا لمقالي الأسبوع الماضي في الشرق -" مستقبل...

435

| 20 سبتمبر 2026

مَن صاحب فكرة كأس الخليج؟
مَن صاحب فكرة كأس الخليج؟

اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...

417

| 23 سبتمبر 2026

الأمم المتحدة.. كيف تستعيد ثقة العالم؟
الأمم المتحدة.. كيف تستعيد ثقة العالم؟

-القضية الفلسطينية المتضررالأكبر من تآكل دور الأمم المتحدة...

399

| 20 سبتمبر 2026

أخبار محلية