رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وصلت حمى الانتخابات في أوروبا مرحلة ملتهبة بما ينذر بهبوب رياح التغيير على القارة العجوز، وذلك من خلال النتائج الأخيرة التي أظهرت أن الرياح الجديدة ستأتي بما لا تشتهيه الأحزاب الحالية التي ظلت تسيطر على حكومات الدول الأوروبية لفترة طويلة. وبفوز مرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند بالرئاسة والإطاحة باليميني نيكولا ساركوزي، يصبح هولاند بذلك الرئيس السابع في الجمهورية الخامسة لمدة خمس سنوات، ليتزعم إحدى أهم الدول النافذة في العالم، والتي تمتلك سلاحا نوويا، وعضوية دائمة في مجلس الأمن، وتلعب دورا رئيسا وهاما في الاتحاد الأوروبي. ومع صعود اليسار إلى الحكم في فرنسا بعد أكثر من عقد من الزمان، واحتمال حصول ائتلاف حزب اليسار المتطرف "سيريزا" على عدد من المقاعد داخل البرلمان اليوناني بعد أن وجد دعم قاعدة عريضة من الشعب اليوناني خاصة من شريحتي الشباب والمثقفين المناهضين لسياسات التقشف ولتلك الشروط الصارمة التي فرضها كل من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لإنقاذ البلاد، ورغم فشل الحزب اليساري في الحصول على أغلبية المقاعد في البرلمان، إلا أن احتمال خروج أحزاب مهيمنة وسياسيين من الحلبة يمكن أن يضيف للحزب في المستقبل القريب أملا في وصوله إلى السلطة. كما أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية بأكبر الولايات الألمانية (شمال الراين وستفاليا)، فوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالنتائج الأولية وبالتالي خسارة حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (الحزب المسيحي الديمقراطي) الذي مُني بهزيمة قاسية. هل سيطلق هذا التغير في المشهد السياسي الأوروبي الشرارة الأولى "للربيع الاشتراكي"؟ لقد أثبتت نتائج الانتخابات في كل من فرنسا واليونان وألمانيا أن الأوروبيين غير راضين عن حكوماتهم الحالية، ويتطلعون إلى أحزاب أخرى - كالأحزاب الاشتراكية - يحدوهم فيها الأمل أن تحمل في طياتها انفراجا للأزمة ونهاية للفصل الاقتصادي المأساوي. فلقد اكتسبت هذه الأحزاب الاشتراكية وضعها الراهن في أعلى القوائم الانتخابية، لأنها حصلت على دعم من قطاعات مغلوبة على أمرها من الشعب الذين عانوا الأمرين من سياسات التقشف الاقتصادي التي فرضتها عليهم حكوماتهم. ومع ذلك، فإن الدول العربية هي أيضا قلقة حيال ما يمكن أن تأتي به رياح أوروبا بوضعها الحالي الذي تقودها فيها حكومات يسارية، وما ستجلبه للعلاقات العربية، خاصة العلاقات العربية - الفرنسية. فحينما اعتلى المرشح الاشتراكي فرانسوا ميتران السلطة في فرنسا عام 1981، أصاب قلق بالغ غالبية الدول العربية باعتبار أن ميتران صديقا لإسرائيل، وكانت هناك أحاديث حول رغبة بعض الدول العربية في سحب استثماراتها من البنوك الفرنسية تحسبا لأي تغييرات سياسية قد تطرأ من قبل إدارة ميتران تجاه الشرق الأوسط. ورغم ذلك، فلقد تعامل ميتران مع الأمور بكل دبلوماسية، وبعث بكبار موظفيه لجميع سفارات منطقة الشرق الأوسط ليؤكد لهم أن سياساته تجاه المنطقة ستكون متوازنة، كما بعث شقيقه الجنرال جاك ميتران إلى المملكة العربية السعودية لإجراء مباحثات مع الملك خالد وولي العهد - آنذاك - الأمير فهد. ونتيجة لذلك، قام ميتران بأول زيارة خارجية له، بصفته رئيسا لفرنسا، إلى المملكة العربية السعودية. وأظهر ميتران أيضا دعمه للعالم العربي خلال الحرب الأهلية اللبنانية عندما قام بإرسال قوات فرنسية للمساعدة في استعادة النظام في البلاد التي مزقتها الحرب الأهلية، كما استقبل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في باريس في عام 1989. وخلال فترة حكم ساركوزي، كانت فرنسا إحدى الدول التي بذلت جهدا حثيثا للدفع باتجاه التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا، وكذلك طالبت فرنسا الرئيس السوري بشار الأسد بالتنحي أكثر من مرة. ورغم أن فرانسوا هولاند لم يعبّر بشكل واضح عن سياسته تجاه الشرق الأوسط، إلا أنه أعلن خلال حملته الانتخابية أنه يؤيد التدخل العسكري في سوريا طالما أنه يتم من خلال إطار عمل الأمم المتحدة. ودعا أيضا إلى تشديد العقوبات ضد إيران لتجنب أي تصعيد عسكري محتمل. وكان ساركوزي خلال فترة رئاسته حريصا على تعزيز علاقات ودية مع الرئيس باراك أوباما، مما نتج عنه توطيد للعلاقات الفرنسية الأمريكية، لاسيَّما وأن الولايات المتحدة تعتبر أهم وجهة للاستثمارات الفرنسية في الخارج. ومع خلفية هولاند الاشتراكية، فإنه من المتوقع أن يكون أقل ودية تجاه الولايات المتحدة من خلال علاقة شبه متوترة تحكمها حسابات سياسية، وفي المقابل تطوير علاقات أوثق في ذات الوقت مع روسيا. وقال هولاند إنه سوف يؤكد على استقلال فرنسا من دون جعل الأمور صعبة بالنسبة لأوباما، وهذا يشير إلى أن فرنسا في ظل إدارة هولاند لن تسير بأي حال في خطى السياسة الأمريكية حول مختلف القضايا بشكل أعمى، وهذه بطبيعة الحال يمكن أن تمثل نقطة إيجابية لصالح روسيا. خلال السنوات الأولى من رئاسة ميتران، كانت العلاقات بين فرنسا والاتحاد السوفيتي – آنذاك- فاترة، خصوصا بعد تصريح ميتران بأنه لن يكون هناك أي تطبيع للعلاقات بين البلدين، إلا إذا نفذت (روسيا) انسحابا ينهي احتلالها لأفغانستان. ولكن عندما جاء ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة، تحسنت العلاقات الفرنسية السوفييتية وعادت الأجواء أكثر دفئا إلى عهد ديغول، حيث أصبح ميتران أكثر استجابة لدعوات غورباتشوف بضرورة الحد من سياسة التسلح. وفي هذا السياق، فمن المرجح أن فرنسا هولاند ستكون أكثر ترحيبا بروسيا، طالما أن روسيا لديها الخبرة الكافية في التعامل مع الرؤساء الاشتراكيين طيلة سنوات العهد السوفييتي. ورغم وعود التغيير وبداية عهد جديد، فإن الحزب الاشتراكي في فرنسا سوف يحتاج إلى وقت لاستقرار الأوضاع في حكومته الجديدة وعودة اليسار إلى الأليزيه بعد غياب استغرق 17عاما. لقد تغيرت الأوضاع كثيرا منذ أن حكم فرانسوا ميتران فرنسا، وستؤثر مجريات الأحداث السياسية في الدول الأوروبية الأخرى على مدى وكيفية استجابة إدارة فرانسوا هولاند لتلك التغيرات المتوقعة على خارطة أوروبا السياسية. وأيضا في ظل حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية الجارية، فإن الحزب الاشتراكي لن يملك سوى الانتظار والترقب لما ستؤول إليه الأحداث هناك، وما إذا كانت ستحدث تغييرات تتطلب إجراء تعديل على السياسات الفرنسية، فضلا عن سياسات الدول الأوروبية الأخرى. لا بد للربيع الأوروبي هذا العام أن يحدث تغييرا، ليس فقط اقتصاديا، بل سياسيا أيضا. وعن مدى تأثير هذه التغييرات على فرنسا والقارة الأوروبية، فهذا أمر يصعب التكهن به، وكل ما علينا فعله هو الانتظار. وعليه، فإن انعكاس هذا التوازن الجديد في القوى يجب أن يكون بردا وسلاما على السياسة الخارجية للدول العربية، وينبغي للدول العربية أن تضع في الاعتبار هذه التغييرات التي تحدث في فرنسا وبلدان أوروبية أخرى، وتتصرف على هذا النحو من خلال اتخاذ خطوة أولى جادة في طريق تعزيز علاقات الصداقة مع أوروبا، وأن يعرب العرب عن آمالهم في أن يكون انتخاب فرانسوا هولاند فرصة جديدة لاستعادة مسار شراكة طويلة المدى بين الدول العربية وفرنسا، وصولا إلى تقوية العلاقات العربية الفرنسية على قيم الصداقة والمصالح المشتركة، بدلا من إلقاء اللوم على إسرائيل دائما في كونها تستحوذ على علاقات أفضل مع الدول الأوروبية. وبفوز مرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند بالرئاسة والإطاحة باليميني نيكولا ساركوزي، يصبح هولاند بذلك الرئيس السابع في الجمهورية الخامسة لمدة خمس سنوات، ليتزعم إحدى أهم الدول النافذة في العالم، والتي تمتلك سلاحا نوويا، وعضوية دائمة في مجلس الأمن، وتلعب دورا رئيسا وهاما في الاتحاد الأوروبي. ومع صعود اليسار إلى الحكم في فرنسا بعد أكثر من عقد من الزمان، واحتمال حصول ائتلاف حزب اليسار المتطرف "سيريزا" على عدد من المقاعد داخل البرلمان اليوناني بعد أن وجد دعم قاعدة عريضة من الشعب اليوناني خاصة من شريحتي الشباب والمثقفين المناهضين لسياسات التقشف ولتلك الشروط الصارمة التي فرضها كل من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لإنقاذ البلاد، ورغم فشل الحزب اليساري في الحصول على أغلبية المقاعد في البرلمان، إلا أن احتمال خروج أحزاب مهيمنة وسياسيين من الحلبة يمكن أن يضيف للحزب في المستقبل القريب أملا في وصوله إلى السلطة. كما أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية بأكبر الولايات الألمانية (شمال الراين وستفاليا)، فوز الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالنتائج الأولية وبالتالي خسارة حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (الحزب المسيحي الديمقراطي) الذي مُني بهزيمة قاسية. هل سيطلق هذا التغير في المشهد السياسي الأوروبي الشرارة الأولى "للربيع الاشتراكي"؟ لقد أثبتت نتائج الانتخابات في كل من فرنسا واليونان وألمانيا أن الأوروبيين غير راضين عن حكوماتهم الحالية، ويتطلعون إلى أحزاب أخرى - كالأحزاب الاشتراكية - يحدوهم فيها الأمل أن تحمل في طياتها انفراجا للأزمة ونهاية للفصل الاقتصادي المأساوي. فلقد اكتسبت هذه الأحزاب الاشتراكية وضعها الراهن في أعلى القوائم الانتخابية، لأنها حصلت على دعم من قطاعات مغلوبة على أمرها من الشعب الذين عانوا الأمرين من سياسات التقشف الاقتصادي التي فرضتها عليهم حكوماتهم. ومع ذلك، فإن الدول العربية هي أيضا قلقة حيال ما يمكن أن تأتي به رياح أوروبا بوضعها الحالي الذي تقودها فيها حكومات يسارية، وما ستجلبه للعلاقات العربية، خاصة العلاقات العربية - الفرنسية. فحينما اعتلى المرشح الاشتراكي فرانسوا ميتران السلطة في فرنسا عام 1981، أصاب قلق بالغ غالبية الدول العربية باعتبار أن ميتران صديقا لإسرائيل، وكانت هناك أحاديث حول رغبة بعض الدول العربية في سحب استثماراتها من البنوك الفرنسية تحسبا لأي تغييرات سياسية قد تطرأ من قبل إدارة ميتران تجاه الشرق الأوسط. ورغم ذلك، فلقد تعامل ميتران مع الأمور بكل دبلوماسية، وبعث بكبار موظفيه لجميع سفارات منطقة الشرق الأوسط ليؤكد لهم أن سياساته تجاه المنطقة ستكون متوازنة، كما بعث شقيقه الجنرال جاك ميتران إلى المملكة العربية السعودية لإجراء مباحثات مع الملك خالد وولي العهد - آنذاك - الأمير فهد. ونتيجة لذلك، قام ميتران بأول زيارة خارجية له، بصفته رئيسا لفرنسا، إلى المملكة العربية السعودية. وأظهر ميتران أيضا دعمه للعالم العربي خلال الحرب الأهلية اللبنانية عندما قام بإرسال قوات فرنسية للمساعدة في استعادة النظام في البلاد التي مزقتها الحرب الأهلية، كما استقبل رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في باريس في عام 1989. وخلال فترة حكم ساركوزي، كانت فرنسا إحدى الدول التي بذلت جهدا حثيثا للدفع باتجاه التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا، وكذلك طالبت فرنسا الرئيس السوري بشار الأسد بالتنحي أكثر من مرة. ورغم أن فرانسوا هولاند لم يعبّر بشكل واضح عن سياسته تجاه الشرق الأوسط، إلا أنه أعلن خلال حملته الانتخابية أنه يؤيد التدخل العسكري في سوريا طالما أنه يتم من خلال إطار عمل الأمم المتحدة. ودعا أيضا إلى تشديد العقوبات ضد إيران لتجنب أي تصعيد عسكري محتمل. وكان ساركوزي خلال فترة رئاسته حريصا على تعزيز علاقات ودية مع الرئيس باراك أوباما، مما نتج عنه توطيد للعلاقات الفرنسية الأمريكية، لاسيَّما وأن الولايات المتحدة تعتبر أهم وجهة للاستثمارات الفرنسية في الخارج. ومع خلفية هولاند الاشتراكية، فإنه من المتوقع أن يكون أقل ودية تجاه الولايات المتحدة من خلال علاقة شبه متوترة تحكمها حسابات سياسية، وفي المقابل تطوير علاقات أوثق في ذات الوقت مع روسيا. وقال هولاند إنه سوف يؤكد على استقلال فرنسا من دون جعل الأمور صعبة بالنسبة لأوباما، وهذا يشير إلى أن فرنسا في ظل إدارة هولاند لن تسير بأي حال في خطى السياسة الأمريكية حول مختلف القضايا بشكل أعمى، وهذه بطبيعة الحال يمكن أن تمثل نقطة إيجابية لصالح روسيا. خلال السنوات الأولى من رئاسة ميتران، كانت العلاقات بين فرنسا والاتحاد السوفيتي – آنذاك- فاترة، خصوصا بعد تصريح ميتران بأنه لن يكون هناك أي تطبيع للعلاقات بين البلدين، إلا إذا نفذت (روسيا) انسحابا ينهي احتلالها لأفغانستان. ولكن عندما جاء ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة، تحسنت العلاقات الفرنسية السوفييتية وعادت الأجواء أكثر دفئا إلى عهد ديغول، حيث أصبح ميتران أكثر استجابة لدعوات غورباتشوف بضرورة الحد من سياسة التسلح. وفي هذا السياق، فمن المرجح أن فرنسا هولاند ستكون أكثر ترحيبا بروسيا، طالما أن روسيا لديها الخبرة الكافية في التعامل مع الرؤساء الاشتراكيين طيلة سنوات العهد السوفييتي. ورغم وعود التغيير وبداية عهد جديد، فإن الحزب الاشتراكي في فرنسا سوف يحتاج إلى وقت لاستقرار الأوضاع في حكومته الجديدة وعودة اليسار إلى الأليزيه بعد غياب استغرق 17عاما. لقد تغيرت الأوضاع كثيرا منذ أن حكم فرانسوا ميتران فرنسا، وستؤثر مجريات الأحداث السياسية في الدول الأوروبية الأخرى على مدى وكيفية استجابة إدارة فرانسوا هولاند لتلك التغيرات المتوقعة على خارطة أوروبا السياسية. وأيضا في ظل حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية الجارية، فإن الحزب الاشتراكي لن يملك سوى الانتظار والترقب لما ستؤول إليه الأحداث هناك، وما إذا كانت ستحدث تغييرات تتطلب إجراء تعديل على السياسات الفرنسية، فضلا عن سياسات الدول الأوروبية الأخرى. لا بد للربيع الأوروبي هذا العام أن يحدث تغييرا، ليس فقط اقتصاديا، بل سياسيا أيضا. وعن مدى تأثير هذه التغييرات على فرنسا والقارة الأوروبية، فهذا أمر يصعب التكهن به، وكل ما علينا فعله هو الانتظار. وعليه، فإن انعكاس هذا التوازن الجديد في القوى يجب أن يكون بردا وسلاما على السياسة الخارجية للدول العربية، وينبغي للدول العربية أن تضع في الاعتبار هذه التغييرات التي تحدث في فرنسا وبلدان أوروبية أخرى، وتتصرف على هذا النحو من خلال اتخاذ خطوة أولى جادة في طريق تعزيز علاقات الصداقة مع أوروبا، وأن يعرب العرب عن آمالهم في أن يكون انتخاب فرانسوا هولاند فرصة جديدة لاستعادة مسار شراكة طويلة المدى بين الدول العربية وفرنسا، وصولا إلى تقوية العلاقات العربية الفرنسية على قيم الصداقة والمصالح المشتركة، بدلا من إلقاء اللوم على إسرائيل دائما في كونها تستحوذ على علاقات أفضل مع الدول الأوروبية.
382
| 17 مايو 2012
ما زالت السيناريوهات المتوقعة والتي يمكن أن تحدث خلال الفترة المقبلة في التعامل مع ملف الأزمة السورية تتعقد وتتشابك، ورغم مرور قرابة الشهر على إعلان نظام الرئيس السوري بشار الأسد،(على مضض)، موافقته على خطة السلام السورية التي أطلقها كوفي عنان المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية، والمرتكزة على ست نقاط لإنهاء الصراع المستمر منذ عام في سوريا بين نظام الأسد والمعارضة، إلا أن أعمال العنف ما زالت مستمرة في زعزعة استقرار البلاد خاصة مع الانفجارين الكبيرين اللذين ضربا مؤخرا دمشق وحلب، في حين ما زالت هناك تقارير حكومية سورية تتحدث عن الاعتداءات المتكررة على الجيش السوري في مختلف المناطق السورية. وأثارت الهجمات الأخيرة الكثير من الجدل حول إمكانية إيجاد حل للمشهد الدموي للانتفاضة السورية ذات الأربعة عشر شهرا عبر التركيز على الحل السياسي والدبلوماسي، وعلى ضوء عدم وجود أي بادرة لإنهاء الأزمة، سواء عبر التحركات السياسية أو الجولات الدبلوماسية، بما في ذلك خطة الوسيط الأممي كوفي عنان، لم يعد على طاولة الدول العربية والمجتمع الدولي سوى خارطة طريق واحدة لا غير، وهي اتخاذ موقف أكثر تشددا حيال هذا النظام، يتضمن الحل العسكري لإنهاء الأزمة. لقد أظهرت الإجراءات الحالية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد في قمعه للاحتجاجات المناهضة له، تجاهلا سافرا لأحد أهم بنود خطة عنان، وهو وقف إطلاق النار والانسحاب من المناطق المشتعلة، بالإضافة لعدم تنفيذ السلطات السورية لكامل تعهداتها وفق بنود الخطة، وبذلك وضح جليا أن النظام السوري لا يفي بالالتزامات التي أخذها على نفسه حيال خطة كوفي عنان، ولا نية لديه للتنفيذ. فماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك؟ وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إن الأوضاع في سوريا قد وصلت إلى "مرحلة لا تطاق" وأنه سيتم الإسراع في نشر مراقبين من الأمم المتحدة، في هذه الأثناء أعلن وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه أن فرنسا ستطلب من الأمم المتحدة التفكير في القيام بإجراءات أخرى تتضمن عملا عسكريا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إذا ما فشلت خطة السلام الدولية لوقف العنف، اصطفافا مع موقف الولايات المتحدة بشأن هذه القضية. ولكن، ورغم كل هذا الحديث حول التدخل العسكري، فإن المجتمع الدولي لم يتخذ سوى القليل جدا من الإجراءات، وحتى قرار فرض منطقة حظر طيران فوق سوريا، وهو أضعف الإيمان وأقل الحلول قسوة من بين جميع الخيارات العسكرية ضد سوريا، قد أثار الكثير من ردود الفعل المتباينة من قبل الكثير من الدول. كذلك أعلن حلف الناتو عدة مرات أنه لا يعتزم التدخل في سوريا، وجاءت تأكيدات الأمين العام، أندرس فوج راسموسن، في أكثر من مرة، باستبعاد التدخل العسكري لحل الأزمة السورية لاختلافها عن الحالة الليبية، ولعدم وجود تفويض مباشر من الأمم المتحدة، وأنه في حالة ليبيا كان هناك تفويض واضح من الأمم المتحدة وكان هناك تأييد من الدول الأعضاء في الحلف، وهو ما ليس متوافرا في الحالة السورية في الوقت الراهن، فضلا عن أن سوريا - حسب راسموسن - بلد أكثر تعقيدا، لذا فإن أي عملية عسكرية هناك يمكن أن تؤدي إلى صراعات كبرى ربما تقود إلى حرب أهلية، ولذلك يجب أن يكون هناك حل سياسي مع دور قوي لدول المنطقة. وفيما يواصل المجتمع الدولي انقسامه بشأن اتخاذ إجراءات عسكرية حاسمة ضد النظام السوري لإنهاء الصراع في سوريا، فإن المئات من المواطنين السوريين ما زالوا يُقتلون يوميا، حيث تقدر الأمم المتحدة عدد ضحايا الانتفاضة في سوريا بنحو 9000 شخص، بحسب آخر إحصائية لها في نهاية مارس الماضي، بينما يوجد في لبنان وحدها حوالي 24000 لاجئ سوري نزحوا بسبب القمع الدموي من قبل السلطات السورية، كما تسببت المأساة الإنسانية في سوريا في نزوح الآلاف من اللاجئين عبر الحدود مع تركيا التي أضحت ملاذا آمنا لنحو 25000 من اللاجئين السوريين، ومثلها في الأردن، وقدرت جماعات حقوق الإنسان والمنظمات الخيرية بأن أعداد القتلى واللاجئين تتجاوز هذه الأرقام بكثير، وسوف تستمر في الزيادة في ظل عدم وجود حل حاسم لنهاية الأزمة السورية. ومع عدم وجود تباشير حل ملموس تلوح في الأفق، كم هي كمية الدماء المطلوبة لتسفك وأرواح مواطنين أبرياء لتهدر في كل دقيقة، حتى يستيقظ المجتمع الدولي؟ وحتى يتخذ إجراءات عسكرية ضد النظام في سوريا؟ هل ينتظر المجتمع الدولي حدوث مجزرة أخرى مماثلة لتلك التي حدثت في كوسوفو، حينما كانت تتم عمليات اغتيال وارتكاب مجازر وأعمال قتل وتعذيب بشعة وإبادة جماعية وحشية لألبان كوسوفو على يد القوات الصربية، قبل أن يتخذ حلف شمال الأطلسي في نهاية الأمر قراراً بشن ضربات جوية في عام 1999 بعد فشل محادثات السلام؟ إذا ما المطلوب من الشعب السوري المغلوب على أمره؟ هل يواصل ثورته ضد النظام القمعي باعتبار أن انتصاره أمر محتوم ومؤكد؟ وأن الحرية للشعب السوري قادمة لا محالة ولكنها تحتاج إلى المزيد من الشهداء لأن أعداد من قضوا خلال الانتفاضة لا تكاد تكفي ثمن الحرية؟ إن تردد المجتمع الدولي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية يضع على عاتق هذه المنظمات الدولية كامل المسؤولية عن آلاف الأرواح السورية التي تم إزهاقها، لأنها - رغم جاهزيتها - لا تزال تراقب تفاقم النزاع في سوريا والذي سيودي بها إلى أتون حرب أهلية. إن غسل أيديهم في إناء القضية السورية ليس خيارا أخلاقيا، طالما أن أياديهم ما زالت ملطخة بدماء عدد كبير من السوريين الذين قتلوا خلال الانتفاضة. بجانب ذلك، فإن حق النقض الفيتو الروسي - الصيني بشأن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي دعا الأسد إلى التنحي، وهذه المواقف المتباينة إزاء اتخاذ إجراءات عملية للتدخل العسكري ضد سوريا، لاسيَّما من جانب الدول الغربية القوية النفوذ، يمكن تفسيرها بأن هذه الدول منشغلة حاليا بقضايا الانتخابات الداخلية، فالولايات المتحدة على وشك إجراء انتخابات رئاسية، في حين أن بريطانيا قد أنهت مؤخرا انتخاباتها المحلية، كما انتخبت فرنسا للتو رئيسا جديدا لها هذا الأسبوع خلفا للرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي كان من الداعمين لخيار العمل العسكري في ليبيا، والذي يعتبره الجميع حلا سحريا مكن الشعب الليبي من انتزاع حريته وخلاصه من النظام الدموي البائد رغم الخسائر في الأرواح. وكان الرئيس الفرنسي المنتخب حديثا فرانسوا هولاند قد صرح خلال حملته الانتخابية أنه يؤيد القيام بعمل عسكري ضد سوريا، طالما أنه يقع ضمن إطار الأمم المتحدة. يبقى علينا أن ننتظر لنرى ما إذا كان فعله سيطابق قوله ووعده. ومن خلال مواقف الإدارات الحالية لهذه الدول القوية، فإنه يتضح لنا أمران لا ثالث لهما، إما أن تكون هذه الإدارات غير راغبة في اتخاذ مثل تلك القرارات الخطيرة التي ربما أن تعرقل مجهودات ترشحها في الانتخابات الجارية، أو أن هذه الإدارات قد تم انتخابها حديثا وتربعت للتو على قمة هرم السلطة ولم يجف بعد حبر بطاقات ناخبيها وتحتاج إلى وقت لتثبيت دعائم حكوماتها. وطالما أن هذا هو حال الدول الكبرى ذات النفوذ، فإن إمكانية بوادر حل الأزمة السورية، لاسيَّما عبر الخيار العسكري، لن تلوح في الأفق قريبا خاصة أن الإدارات الحالية في هذه البلدان إما أنها لا تزال غير واثقة من إمكانية فوزها في الانتخابات الجارية حاليا، أو أن عليها بذل المزيد من الوقت من أجل تحقيق الاستقرار لحكوماتها المنتخبة حديثا. إنه من المعيب أن نشهد انقساما بين الدول من أجل مصالحها السياسية وأجنداتها المرحلية ومساوماتها على كراسي السلطة ونفوذها السياسي. ومع كل ذلك، فإن محاولات تجنب إصدار قرار حاسم باتخاذ إجراءات عسكرية لحل الأزمة السورية، من أجل الفوز في الانتخابات، هو عمل تجانبه الحكمة والعقل والشجاعة السياسية والأخلاقية، والطبيعة الديناميكية للأزمة السورية تعني أن هناك "لاعبين" يريدون الاستفادة من الوضع، وفي الوقت الذي ستقرر فيه الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية القيام بعمل عسكري في نهاية الأمر، فإنها ستكون قد وضعت نفسها في وضع حرج وغير موات، إذ سيكون من الصعب عليهم بعد ذلك كسب ثقة واحترام شعوب الدول، ناهيكم عن احترام الشعب السوري، حيث سينظرون إلى هذه المؤسسات باعتبارها غير فعالة وليس لها أي سلطة حقيقية أو أهمية تذكر على أرض الواقع. وفي أثناء ذلك، سيظل السوريون يقدمون المزيد من شهدائهم وسيستمر العالم كذلك في المشاهدة. إن الحديث عن أن التدخل العسكري في سوريا ربما سيؤدي إلى حرب أهلية يمكن أن يطول أمدها ليس مبررا كافيا لرفض الخيار العسكري لحل الأزمة السورية، لأن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى حرب إبادة شاملة. ولقد أثبت تاريخ الربيع العربي الحديث أن أنظمة القمع التي تقتل شعوبها من أجل نزوة البقاء في السلطة، لم تعد تجدي معها أي حلول أو حوارات دبلوماسية.
742
| 10 مايو 2012
يحتفل العالم اليوم الخميس باليوم العالمي لحرية الصحافة كتقليد سنوي يهدف إلى التذكير بالدور المهم والفاعل الذي تضطلع به الصحافة تحديدا ووسائل الإعلام بصفة عامة في تعزيز حرية الرأي والتعبير والديمقراطية البناءة التي تشجع التنمية والتطور في كافة أرجاء العالم، وفي البداية لا بد من تدوين تحية للذين اختاروا القلم سلاحا في عالم الإعلام الواسع بمختلف وسائله، الذين انتهجوا نهج الكلمة الحرة لوضع بصماتهم في هذه الحياة، وإيصال المعلومة بكل أمانة وصدق ومسؤولية، على كل الجهود التي يبذلونها لتطوير الأداء الإعلامي ونشر الوعي بحرية حقوق التعبير في أوساط مجتمعنا، باعتبار أن معيار حرية الصحافة في المجتمع يعد مؤشرا على الحريات العامة للشعب.ويعتبر هذا اليوم الاحتفائي فرصة مناسبة لإلقاء الضوء على أوضاع حرية الصحافة العربية ومسيرة حرية الإعلام العربي لاستحضار تلك المهام والأدوار الشاقة والخطيرة التي يؤديها الصحفي والإعلامي العربي وهو يقوم بدوره الرسائلي في تقصي الحقائق من أجل تزويد القارئ أو المستمع أو المشاهد العربي بالأخبار اليومية مهما كلفه ذلك من تضحيات. كما يعد هذا اليوم، الذي يحتفل به العالم منذ إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993 تسميته بيوم الصحافة العالمي، مناسبة للتعريف بالدور الذي يمكن لوسائل الإعلام القيام به تحقيقا لمصلحة المواطنين ولتعريف الشعوب العربية بانتهاكات حرية الصحافة وحق التعبير عن الرأي، حيث لا تزال تقارير المنظمات الدولية تصنف المنطقة العربية بالجزء المعتم من العالم سواء من حيث غياب وسائل الإعلام المستقلة أو الاستمرار في فرض رقابة حكومية تصل أحيانا إلى حد القمع. وبإلقاء نظرة عن قرب لحال الإعلام العربي اليوم وعلى مدى عام كامل منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، نجد أن الإعلام قد صنف نفسه بنفسه إلى قسمين لا ثالث لهما، فإما إعلام ينقل ويغطي الحدث فقط، أو إعلام فعال يلعب دورا كبيرا في حث الشعوب المضطهدة على الاحتجاج من أجل التغيير في العالم العربي، حيث لا يوجد في فقه ثورات الشعوب حياد بين الضحية والجلاد، رغم أن هذا الإعلام الفعال ربما يخفي وراء فعاليته مصالح وأهدافاً وأجندات خفية.إن الإعلام العربي الفعال قد حقق مكاسب جمة، ربما سلبا أو إيجابا، بعد ثورات الربيع العربي على صعيد حرية الرأي والتعبير، رغم مواقف عدد من وسائل الإعلام المتباينة والمتأرجحة ما بين الغناء المترف عند الجلاد والإضراب جوعا في ميدان الصمود تضامنا مع الضحية، ورغم أن هذه الثورات قد مثلت فألاً غير حسن وكانت بمثابة نذير شؤم على بعض وسائل الإعلام والإعلاميين، فلقد تمثل نجاح الإعلام العربي الفعال في مواقف بعض وسائل الإعلام الداعمة للشعوب العربية الثائرة، والتي لعبت دورا سياسيا وإعلاميا وإنسانيا مقدرا على الصعيد الدولي في حشد وبلورة الرأي العام العالمي من أجل الوقوف مع مبدأ حق الإنسان العربي في ثورته، وقامت بتعرية حقائق ظلت طي التكتم وحرصت بكل ما أوتيت من خبرات مهنية وفنية على كشف زيف وتضليل أبواق الإعلام المناهض والمضاد لحراك الثورات العربية وعلى إبراز الحقيقة من قلب الأحداث في ساحات تلك الثورات، في الوقت الذي كانت فيه الأنظمة الحاكمة ووسائلها الإعلامية أكثر حرصا على إخفاء تلك الثورات وإظهار عكسها.ونجد في ذات الوقت أن بعض وسائل الإعلام قد فقدت مصداقيتها خلال تغطيتها أحداث الربيع العربي، وذلك بتحيزها الواضح للأنظمة الديكتاتورية وإثارتها لبعض المشاكل واختلاق الأكاذيب وابتعادها عن مبادئ المهنية والحياد في تناولها الإعلامي للأحداث، للدرجة التي أصبح معها ذلك الإعلام سببا رئيسيا في عدم شعور المواطن العربي بالأمن والأمان، بل وإصابته بفوبيا الأحداث، فهل هناك احتمال لقيام ثورات إعلامية تطالب بإسقاط وسائل الإعلام هذه كما سقطت من قبل بعض الأنظمة والحكومات؟ومثلما أسهمت وسائل الإعلام المستقلة بقوة في إحداث الربيع العربي، فلقد أسهمت ثورات الربيع العربية أيضا في تحرير وسائل الإعلام المحلية في بلدانها، ولم تكن عملية تغيير أنظمة وسائل الإعلام والبيئة الإعلامية السائدة في البلدان التي تنفست الصعداء وأقامت كرنفالات النصر احتفاء بسقوط حكومات دكتاتورية دامت لفترات طويلة بالأمر السهل، فقد استمرت ذات وسائل الإعلام التي تديرها الدولة تعمل كما في السابق بعد الثورة مع بعض التعديلات البسيطة، ورغم اختفاء بعض القيادات الإعلامية وكبار المحررين أو الناشرين في دول الربيع العربي، إلا أن غالبية قوة العمل بالإضافة إلى السياسات الإعلامية ما تزال على ما هي عليه ولم تتغير بشكل كبير.وفي الوقت نفسه ورغم أن كل دول الربيع العربي قد استعادت حقها في الحرية، فلا يزال بعض صحفيي ومراسلي تلك الدول، لم يستعيدوا حقهم في حرية التعبير، فحتى الآن ما زالت هناك صعوبات جمة تقف حائلا دون تحرير الإعلام في العالم العربي بصورة كاملة رغم الثورات، ولذلك نجد أن حرية الإعلام تواجه خطرا محكما في تلك البلدان، لأن رياح الربيع العربي يفترض بها أن تجتاح الإعلام أيضا لتحدث فيه تغييرا جذريا، وألا يقتصر التغيير على مستوى القصور الرئاسية فقط.ولا بد لكثير من حكومات البلدان التي لم تجتاحها رياح الثورات العربية أن تعي هذه الدروس والعبر المستقاة من واقع سياسات القمع والتضييق على الناس وتقييد حقوقهم في حرية التعبير عن آرائهم، وأن تبدأ من الآن - إن لم تكن قد بدأت - في انتهاج سياسة إعلامية مختلفة وعمل الإصلاحات اللازمة في قوانين الصحافة وحرية التعبير التي من شأنها زيادة هامش حرية التعبير والرأي.ورغم النقلة النوعية للإعلام القطري الذي يمثل أحد الركائز الأساسية لمناخ حرية الإعلام التي أرسى دعائمها حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى، فإن دور الإعلام يتطلب من وسائل الإعلام القطرية جهدا أكبر لإبراز دور قطر الكبير في كل المجالات والمحافل، ويجب ألا ينسَ الناس أن لقطر علينا كإعلام وإعلاميين حقا لا بد من الوفاء به، فالاستقلالية التي ينعم بها الإعلام القطري اليوم في ظل أجواء حرية التعبير والرأي التي عمت أرجاء البلاد عقب الخطوات التي اتخذها صاحب السمو الأمير بإلغاء الرقابة على وسائل الإعلام كأول خطوات إصلاحية من نوعها في المنطقة، إنما تؤكد أن رياح التغيير والحرية قد بدأت انطلاقتها من قطر.ومع انتشار وسائل الإعلام الحديث من مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، فإننا الآن في أمس الحاجة لوجود إذاعات وصحافة وقنوات تليفزيونية ومراكز إعلامية قطرية فعالة، تعبر بكل كفاءة وشفافية ومهنية عالية عن التطورات السريعة التي تشهدها الدولة والمجتمع القطري في ظل مناخ الأمن والاستقرار الذي تنعم به البلاد، وتبرز الإنجازات القطرية على المستوى الإقليمي والعالمي، وتسوِّق أفكار ورؤى الدولة المستقبلية في تخطيط وتمويل ووضع اللبنات الأساسية للمشاريع الضخمة التي قامت وتقوم قطر حاليا بتنفيذها على أرض الواقع.والتحديات التي يواجهها الإعلام القطري كثيرة، تتطلب الكثير من المعاناة وتكبد المشاق، فالرحلة طويلة ولا تحتمل التباطؤ أو التخاذل، فلابد من وجود أذهان متحررة من قيود الرسائل والنماذج الإعلامية المملة التي تقدم لأهل قطر والمنطقة إعلاما منزوع الدسم الثقافي ودون هوية. وهذه دعوة لكافة الإعلاميين القطريين وغير القطريين للمساهمة في بذل المزيد من الحب والخير لقطر، ذلك الحب الذي يضطرنا لأن نعلنه ونصرح به للعالم أجمع.إن التوجه الإعلامي الحالي في قطر لا يسير متوازيا مع النهضة الحضارية الكبرى التي تخطوها الدولة بخطوات رائدة نحو المستقبل المشرق الذي تشرئب إليه أعناق وقلوب أهل قطر بكافة أطياف فئاتهم العمرية، شيبا وشبابا وأطفالا. وحتى توجه قناة الجزيرة الإخباري نجده أيضا لا يعبأ كثيرا بما يدور في قطر من إشراقات اقتصادية واجتماعية يمكن لها أن تضيء ظلمات ما وراء البحار والمحيطات إن وجدت ما تمتلكه الجزيرة ووسائل الإعلام القطرية الأخرى من إمكانات احترافية كبيرة وقاعدة تقنية تكنولوجية متطورة ومهارات مهنية وآلية تحليل ورصد. إن انعقاد عدد من المؤتمرات الدولية في فترة وجيزة في قطر في الآونة الأخيرة يعتبر وحده دليلا على أن سقف حرية الرأي والتعبير بها عالي المكانة والقيمة، الشيء الذي منحها ثقة المجتمع الدولي، ولكن هذا الانفتاح على العولمة لا بد أيضا أن يواكبه مزيد من الممارسة المجتمعية لثقافة حرية التعبير والرأي، فحرية الرأي هي أساس حياة المجتمع، وهي لا تأتي إلا بممارسة الشعب القطري لها من خلال الانتخابات البرلمانية ومنظمات المجتمع المدني، وهنا يأتي الدور المتعاظم للحكومة القطرية في تثقيف المجتمع ونشر وعي ثقافة حرية الرأي والتعبير في أوساط المجتمع ووضع الآليات المطلوبة لدعم حرية الإعلام بما يتماشى مع مبادئنا وقيمنا الإسلامية، ومنها قانون الأنشطة الإعلامية، الذي ما زلنا نسمع باللقاءات والنقاشات حوله ولا نراه، حيث لا يزال القانون معلقا ينتظر إنزاله إلى أرض الواقع، ونتمنى صادقين أن يرى النور. لقد خطونا خطوات واسعة في الاتجاه الصحيح تستشرف المستقبل المفعم بالأمل والتفاؤل والطموحات والواقعية، ولكننا نشعر بأن خطواتنا تلك ما زالت بطيئة في عالم متسارع.
2095
| 02 مايو 2012
منذ دورة الألعاب الآسيوية 2006، وضعت قطر أولى خطواتها الجادة في طريق تنمية وتطوير علم جديد استحدثته قطر، هو علم إدارة الفعاليات الرياضية الدولية العملاقة. وتطمح قطر الآن في استضافة أولمبياد 2020 وألعاب ذوي الاحتياجات الخاصة، والتي بلا شك سوف تنقل المنطقة إلى آفاق جديدة رحبة وتبين الأثر الذي يمكن أن تتركه إقامة دورة الألعاب الأولمبية في المنطقة، وتظهر رؤية قطر والتزامها بالتنمية من خلال الرياضة. مع إتاحة فرص غير مسبوقة لتمكين المرأة من لعب دور أكبر في الحركة الرياضية العالمية. إن استضافة قطر للأولمبياد سيساعد جهودها الحثيثة لجسر الهوة بين العالم الإسلامي والغربي، وسوف تمنح استضافة الدوحة للأولمبياد فرصة لبناء جسر ثقافي بين منطقة الشرق الأوسط وبقية دول العالم. كما أن منحها فرصة استضافة هذا الحدث سيكرس المفهوم القائل بأن الأولمبياد بطولة للكل، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو العرق أو العقيدة أو طبيعة المناخ، طالما أنك تهيم حبا بالرياضة. ونحن في قطر نعتقد بأنه يوجد حل لكل معضلة، لأننا أمة تؤمن بالعمل والتصميم، وعلى قناعة تامة بحتمية بذل أقصى ما يمكن من جهد لأجل استضافة أولمبياد 2020. في بداية هذا الأسبوع، ترأس سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ولي العهد رئيس اللجنة الأولمبية القطرية وفد لجنة ملف قطر 2020 لاستضافة الألعاب الأولمبية وألعاب ذوي الاحتياجات الخاصة خلال تقديم عروض الدول المتقدمة لاستضافة الألعاب الأولمبية، وذلك على هامش أعمال اجتماعات الجمعية العامة الثامنة عشرة لرابطة اللجان الأولمبية المشتركة (الأنوك) في موسكو، وأوضح سمو ولي العهد أن هدف طلب استضافة الدوحة للألعاب الأولمبية يتمثل في خلق فرص رياضية وتجارية للحركة الأولمبية وعمل برامج رياضية وملاعب تستفيد منها المنطقة بأسرها ومساندة رياضة المرأة في العالم العربي وتنميتها ومد جسور جديدة للأمل والتفاهم بين الشرق الأوسط والمجتمع الدولي. وإذا كان من حق كل مواطن قطري أن يفخر ببلاده وهي تنافس على استضافة أضخم المسابقات، فإن الواجب يحتم علينا أن ننسب الفضل لأهله حيث إن ذلك يرجع إلى جهود حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى وإلى سمو ولي العهد الأمين وما يقدمانه دائما من مساندة للرياضة والرياضيين، وقد حققت الرياضة في عهد قيادتنا الرشيدة الكثير من الإنجازات وارتفع علم قطر في كل المحافل الرياضية بما يضع هذا الوطن المعطاء في مصاف الدول المتقدمة. وتتمتع الدوحة بالعديد من المقومات والمؤهلات التي ترجح كفتها في الفوز باستضافة الأولمبياد وتجعلها الأقرب في تحقيق هذا الحلم، والتي يمكن إيجازها في الآتي: * جملة المشاريع الضخمة التي ستنفذها قطر لاحتضان مونديال 2022 ستشكل عونا وسندا وعنصر قوة لربح رهان الفوز باستضافة أولمبياد 2020. * كثير من المنشآت الرياضية في قطر، تم إنشاء بعضها ووضعت ميزانيات وخطط وخرائط للبعض الآخر، كجزء من استراتيجية قطر للتنمية 2030. * حفلا افتتاح وختام فعاليات الأولمبياد يمكن أن تقام في ملعب لوسيل الوطني الجديد، الذي سيشهد افتتاح وختام كأس العالم 2022. * وجود تقنيات الاتصالات المتطورة والخطوط الجوية القطرية وأكبر مطار في المنطقة بالإضافة لخطوط القطارات والمترو والمستشفيات والجامعات والمعاهد الرياضية، وشبكة الجزيرة بقوتها، كل ذلك سيمثل أرضية صلبة وسيعزز فرص النجاح الكبيرة بالفوز. * نشر وإشاعة ثقافة رياضة المرأة في العالم العربي. * مناخ الحرية الذي يسود دولة قطر وترسيخ مبادئ العدل وحقوق الإنسان، وهو ما نلمسه في التعايش الآمن بين أبناء الجنسيات المختلفة على أرض وطننا الحبيب ليتناغم ذلك مع الهدف الأسمى من الحركة الأولمبية. * يعتبر الاقتصاد القطري من أقوى الاقتصادات العالمية، بما يزخر به من موارد تجعله الأعلى نموا وهذا بالطبع ينعكس على جاهزية الدولة في استضافة مثل هذه الألعاب، حيث يمكنها من الوفاء بكافة وسائل الدعم اللوجستي والبنية التحتية وتوفير أحدث الوسائل التكنولوجية التي تخدم كافة المشاركين والمهتمين. * نظرا لتعدد الجنسيات العاملة في دولة قطر، فإن السوق القطري يوفر مختلف السلع والخدمات ووسائل الترفيه التي تناسب الضيوف من كل أنحاء العالم. * يزخر سجل الدوحة بالنجاحات التي أبهرت العالم في تنظيم الفعاليات والدورات الرياضية ومنها دورة الألعاب الآسيوية عام 2006 ودورة الألعاب الرياضية العربية في نسختها الثانية عشرة عام 2011. * يقف وراء ملف الدوحة قلوب محبة لوطنها كلها عزيمة وإصرار في خدمته ولا تدخر جهدا في إبراز صورته المشرفة في كل الميادين، لذلك عملت على استيفاء الملف لكل متطلبات اللجنة الأولمبية. * ينظر العالم الآن إلى قطر على أنها دولة محبة للرياضة، ولعل التوفيق صادف أهله إذ تزامن تقديم الملف مع اليوم الرياضي للدولة الذي أظهر مدى اهتمام الدولة بالرياضة وعشق الشعب لها. وفي ظل نجاح قطر المنقطع النظير في الفوز باستضافة وتنظيم عدد من الأحداث والفعاليات الرياضية العالمية، كبطولة العالم للسباحة داخل حوض صغير (25 مترا) عام 2014، وبطولة العالم لكرة اليد للرجال عام 2015، ، بالإضافة إلى مونديال 2022، وفوزنا المرتقب بإذن الله لتنظيم أولمبياد 2020، فإنه لا بد لقطر من أن تعلن جاهزيتها منذ وقت مبكر لوضع استراتيجية للإعلام الرياضي لضمان نجاح هذه الفعاليات الرياضية العالمية. نحن لا نسعى فقط إلى النجاح في حسن إدارة تنظيم هذه الأحداث الرياضية، لكننا نسعى إلى التفرد والتميز وإيجاد موطئ قدم وحيد لقطر أمام كل الحشد المزدحم، ولذلك لا بد من تحريك ماكينة الإعلام الرياضي بقوة إذا ما أردنا التفوق، علينا تطوير إعلام رياضي يصنع ويرصد ويراقب ويحلل ويتفاعل مع الأخبار الرياضية، وتأهيل هذا الإعلام الرياضي كي يتصدى لوسائل الإعلام تلك التي لا تألو جهدا في انتقاد قطر وإنجازات ومقدرات قطر. ولخلق استراتيجية إعلام رياضي متميز وفعال وقوي، علينا المرور بعدة مراحل مهمة تتمثل في: استصدار القرار السياسي الذي يعزز من حرية العمل في الجانب الإعلامي بفعالية ومهنية وجودة عالية المستوى، تسييل الدعم المادي لخلق قاعدة كوادر بشرية تتميز بالكفاءة وتستطيع أن تحمل على عاتقها كل هذه المسؤوليات الجسام واضعة نصب أعينها مكانة قطر السامية الخفاقة بنبض أبنائها، ثم تأتي مرحلة الوسائل الإعلامية الرياضية، التي تتربع عليها حتى الآن قناة الجزيرة وحدها في ظل غياب أو انعدام بقية الوسائل الأخرى. لا بد من تكثيف الجهود لأن تصبح الدوحة عاصمة الإعلام الرياضي ومركزا عالميا للتوعية والإرشاد الرياضي، فوجود قناة الجزيرة على أرض الدوحة لا يكفي، حيث إنها تنقل وتبث الحدث الرياضي، ولكننا في أمس الحاجة الآن، أكثر من أي وقت مضى، لكي نصنع الخبر الرياضي من داخل قطر، وصناعة الخبر لها مرحلتان، قبل وبعد أي موضوع رياضي، ونحن نطمح إلى آليات لوضع استراتيجية تقودنا لنصبح مركزا محوريا للإعلام الرياضي المرئي والمقروء والمسموع، المحلي وإلاقليمي والعالمي، نستطيع من خلاله أن نؤثر في بورصة الرياضة ونصل إلى المرحلة التي نستطيع فيها أن نتحكم في مفاصل حركة الرياضة العالمية. وحتى يحظى الإعلام الرياضي المرتقب بهذه المكانة الرياضية، فإنه لا بد من مراعاة وجود أركان هامة تتمثل في وجود كوادر بشرية قادرة ومتمكنة تستطيع القيام بأعباء النهوض بحركة الإعلام الرياضي، وتوفر كافة مدخلات صناعة الخبر الرياضي، وهذه ستقودنا بدورها إلى التحكم في مفاصل الإعلام الرياضي العالمي، وطالما أن هناك شركات أجنبية تسعى لإقامة مواقع لرصد الحركة الرياضية القطرية، فمن باب أولى أن يكون لدينا أرشيف رياضي محلي وإقليمي وعالمي متكامل نستطيع من خلاله الوصول إلى التزام دولة قطر الراسخ بأن تصبح الدوحة عاصمة عالمية للرياضة وذلك ضمن الرؤية الوطنية لعام 2030، والتي ترسم استراتيجية متكاملة تمثل الرياضة فيها عنصرا أساسيا في مستقبل الدولة وتطلعاتها لبناء غد أفضل للأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، نتمنى حقيقة أن تتبنى قطر صندوقا لتنمية وتطوير الإعلام الرياضي تساهم فيه الدولة وتجزل فيه المساهمة، وذلك لأهمية وجود إعلام رياضي قوي وفعال لإنجاح كافة الفعاليات الرياضية العالمية التي ستستضيفها قطر خلال الأعوام القادمة، ولأن نجاح أي فعالية مرهون دائما بالتسويق وقوة وسائل الإعلام، فلا يخفى على أحد دور الإعلام في هذا العصر، فلقد أصبح هو القوة المحركة لكل الأحداث، فهو يستطيع أن يؤجج الثورات ويزيد من اشتعالها كما يستطيع أن يطفئ جذوتها المشتعلة، كما أن الإعلام يمكن له أن يتسبب في نجاح فعاليات وفشل أخرى. وليس مستغربا أن تتبنى قطر صندوقا لتنمية الإعلام الرياضي، فتوجه قطر للاستثمار في الإعلام الرياضي توجه قديم وليس هناك دليل أقوى وأعمق من قنوات الجزيرة الرياضية. سنملأ صدورنا بأجواء التفاؤل والآمال الكبيرة المعبقة بنسمات الإصرار والعزيمة على فوز قطر بهذه الاستضافة، فالنجاح قادم لا محالة، خاصة إن كان هذا الحلم لا يخص الدولة بمحيطها الضيق، بل يتعداه للمنطقة العربية بأسرها. فلقد برهنت قطر على أنها تمتلك رؤية واضحة وشعبا يعمل يدا واحدة لتحقيقها وإننا بمقدورنا تحقيق ما يبدو مستحيلا، وكانت هذه وسيلة قطر لبدء رحلتها المضنية لنيل شرف استضافة مونديال 2022، والذي أرست قطر من خلاله نصرا وأنموذجا يحتذى لجيلها من الشباب، بأنه لا يوجد شيء مستحيل إذا ما توفر الحلم والرؤية الواضحة حول ما يجب تحقيقه. ونقول بكل فخر إن قطر في مقدورها أن تنظم ألعابا أولمبية تاريخية عام 2020، سيشهد لها التاريخ وستبقى في ذاكرة الأجيال عنوانا لعزيمة قيادة وشعب. خالد عبد الرحيم السيد رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
439
| 19 أبريل 2012
منذ أن أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسية المصرية قائمة المرشحين المحتملين لمنصب رئاسة جمهورية مصر العربية، لفت ذلك الإعلان انتباه العالم أجمع، ووجد موضوع الانتخابات الرئاسية اهتماما وصدى واسع النطاق على كل المستويات، وتباينت الآراء حول من سيعتلي كرسي الرئاسة المصرية، لما لمصر من موقع هام في الوطن العربي والمجتمع الدولي، فلقد عانى الشعب المصري كثيرا في ظل النظام السابق من حرمان للديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتردي الاقتصادي والبطالة، ومن حقه أن يهنأ بالاستقرار الاقتصادي، ويستأصل من جسده المنهك سرطان الفساد. فمنذ سقوط حكومة النظام السابق وتنحي الرئيس حسني مبارك ومن ثم محاكمته، وسطوع نجم التيارات الإسلامية بصورة لافتة في سماء الحياة السياسية المصرية وسيطرتهم على مجلسي الشعب والشورى، تسارعت وتيرة الأحداث مع إعلان جماعة الإخوان المسلمين في مصر ترشيح أحد كوادرها لخوض الانتخابات الرئاسية، بعد الوعود السابقة التي أطلقتها الجماعة في أعقاب سقوط نظام مبارك بعدم تقدم أي من أعضاء الجماعة لخوض سباق الترشح الرئاسي، مما وضع مصداقية الجماعة على المحك، وظهر هذا جليا من خلال ردود الأفعال الغاضبة احتجاجا على تلك الخطوة، حيث تعرضت الجماعة إلى سيل من الانتقادات من داخل وخارج الجماعة في أعقاب ذلك الإعلان المفاجئ، كما تقدم اثنان من قياديي الجماعة باستقالتيهما. واعتبر كثير من المحللين إعلان الجماعة عن ترشيح خيرت الشاطر - أحد قياداتها البارزين - تغييرا مفاجئا في مواقفها يضعها في خط المواجهة الأمامي مع عدد من التيارات في الساحة السياسية المصرية، والتي رأت أن الجماعة تتطلع صوب الهيمنة الكاملة على المشهد السياسي لما بعد الثورة، ودليلا آخر على ازدواجية مواقف الجماعة، لأنهم ومنذ البداية علت أبواقهم وأعلنت بأن الجماعة لا تطمح ولا تطمع في الرئاسة ولا في الحكم. وأثار إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن مساعيها الحثيثة للتوصل إلى "مرشح توافقي" جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، وكانت صحيفة الحياة قد أشارت إلى أن جماعة الإخوان المسلمين تجري اتصالات مع شخصيات لإقناعها بالترشح وأنها ستدعم عمرو موسى إذا لم تتفق مع مرشح جديد. وبعد هذا السيناريو، يتفاجأ الرأي العام بتقديم جماعة الإخوان لأوراق خيرت الشاطر كمرشح للرئاسة، مما أفقد جماعة الإخوان المسلمين مصداقيتهم، وأفضى ذلك إلى تباين حاد في الآراء فيما بينهم مما ينبئ بأن شرخا قويا ربما يحدث في تماسك جدار عضوية الجماعة، حيث جاء مرشحهم من بني جلدتهم وليس كما أعلن المرشد العام، أنه توافقيا. وكما يعلم الجميع بأنه وعلى مدار عقود من تجارب الأنظمة السياسية في دول مختلفة، فإن رئيس الحزب يغدو هو نفسه ليصبح رئيس الدولة، لذا يأخذنا المشهد الحالي في مصر إلى المشهد الإيراني الواضح للعيان، حيث يلجأ رئيس الدولة إلى الرجوع للمرشد الأعلى، مما يجعله في وضع تصادمي في اتخاذ القرارات السياسية، والمشهد المصري الحالي يراه المراقبون متضاربا فيما هو معلن وما هو غير معلن، كما نجد أن معظم المرشحين والأحزاب تتضارب آراؤهم وأقوالهم كلما اقتربت ساعة الصفر لاعتلاء كرسي الرئاسة. والمراقب للمشهد السياسي المصري عن كثب يرى، وبعد جلوس وتربع الدكتور الكتاتني على كرسي مجلس الشعب، وبعد أن حازت الجماعة والتيارات الإسلامية ثقة الشعب وهيمنتها على مجلسي الشعب والشورى، أنه قد تلألأ بريق النفوذ والطمع صوب عرش أكبر دولة عربية، في أعين أعضاء جماعة الإخوان المسلمين. ويرى الكثيرون سعي جماعة الإخوان المسلمين للاستئثار بكل مقاليد السلطة ومحاولة فرض الهيمنة الكاملة على مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار في مصر، بأنه مغامرة كبيرة تعكس تحولا جذريا عن نهجها القديم في اعتماد الحذر وتلمس خطواتها السياسية طيلة عقود ماضية. واشتعل السباق الرئاسي المحموم مع إعلان اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات المصرية السابق ونائب رئيس الجمهورية في آخر أيام نظام مبارك، الترشح للمنصب استجابة - حسب قوله - لمطالب الآلاف من أنصاره، الأمر الذي أثار جدلا واسعا في الشارع المصري، وبانضمام اللواء عمر سليمان إلى قائمة مرشحي الرئاسة في مصر، تباينت ردود أفعال مختلفة على الصعيدين المصري والدولي، ففي حين رحبت به أوساط شعبية مصرية ورأت فيه المنقذ القادم لمصر من أتون الفوضى العارمة والتسيب الأمني، وغيرها من الأزمات التي ظل يعاني منها الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير، رفضت قوى أخرى مبدأ ترشح أحد رموز النظام السابق واصفة إياه بأنه كان لصيقا لنظام مبارك، وأن مجرد ترشحه لرئاسة الجمهورية يعتبر إجهاضا لهذه الثورة - كما ورد في بيانات عديدة أصدرتها بعض القوى السياسية. ويرى مراقبون بأن قرار ترشح اللواء عمر سليمان جاء بسبب المخاوف من السيطرة المطلقة للإخوان المسلمين على كافة مقاليد السلطتين، التشريعية والتنفيذية بالإضافة لمنصب رئاسة الجمهورية، لا سيما بعد ترشيح جماعة الإخوان المسلمين للمهندس خيرت الشاطر ولتفادي المشهد الإيراني في مصر. وإذا نظرنا من الزاوية العربية محلقين فوق المشهد الانتخابي للرئاسة المصرية، فسوف نجد أن عمرو موسى هو الأقرب لرئاسة مصر، لعلاقاته المتجذرة مع كل رؤساء وقادة العالم، كونه قضى ثلاثين عاما في مسيرته الدبلوماسية والسياسية، حيث عمل سفيرا ووزيرا للخارجية وأمينا عاما لجامعة الدول العربية. فالفترة الحرجة التي تمر بها مصر تحتاج إلى رئيس ذي خبرة طويلة وعلاقات مستدامة تمكنه من قيادة الدفة بأمان وأمانة، لأن مصر دولة كبيرة وتقع على عاتقها مسؤوليات جسام بحكم مكانتها وموقعها الجغرافي والسياسي، تستوجب خبرة ودراية تامة فيمن يقودها في الفترة المقبلة. بالإضافة إلى أن ترشيح عمرو موسى للرئاسة لم يجئ إلا بناء على رغبة أعداد كبيرة من شباب الثورة المصرية، وفي هذا الجو الربيعي لانتخابات الرئاسة المصرية لا يمكن التغاضي عن رغبة الشباب الذين صنعوا ربيع الثورة. وامتدادا للجدل الذي أثير داخليا وخارجيا حول ترشح عمرو موسى للرئاسة فى مصر، والحملة الشعواء التي يتعرض لها من الرافضين لترشحه في هذه المرحلة، باعتباره من أركان النظام القديم، إلا أنه لا يختلف اثنان على كون عمرو موسى يعتبر أشهر وأقوى المرشحين للرئاسة في مصر حتى الآن، بالإضافة إلى أن شعبيته قد تجاوزت الآفاق خلال فترة طويلة من فترات عمله الدبلوماسي الدؤوب، لما عرف عنه من مواقف حاسمة وتصريحات جريئة، خاصة عندما كان يقوم بأعباء وزارة الخارجية في التسعينيات. وبينت استطلاعات للرأي أجرتها صحيفة الإندبندنت البريطانية، أن لعمرو موسى الحظ الأوفر في الفوز بالمنصب، رغم أن الكثير من المصريين لم يتخذوا قرارا بعد، حسب ما ذكرت الصحيفة. كذلك أكد المحامي نجيب جبرائيل رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، على إجراء استطلاع للرأي حول دعم الأقباط لمرشحي الرئاسة، والذي أجري على عينة شملت ثلاثة آلاف شخص في كل محافظة شملت المرأة والشباب والمثقفين والفلاحين والعمال وأصحاب الأعمال من الأقباط، حيث جاءت نتيجة الاستطلاع بحصول عمرو موسى على نسبة 78% من أصوات الأقباط. ويبدو أن كفتي الميزان تتأرجحان الآن فيما بين عمر وعمرو، إذا ما استثنينا مرشحي التيارات الإسلامية، رغم أن الرجُلين قد خرجا من رحم النظام السابق، ورغم خبرتهما الطويلة في التعامل مع كثير من القضايا السياسية الحساسة والمعقدة، سيجعل فوز أحدهما مريحا للعديد من ألوان الطيف السياسي المصري، فالمصريون ليسوا مستعدين لتكرار المشهد الإيراني على الساحة السياسية المصرية وسيطرة التيارات الإسلامية على الدولة. على أية حال، ستبدي لنا الأيام ما كنا نجهل، وسيأتينا بالأخبار من لم نزوّدِ، فالشعب المصري من الذكاء بحيث يستطيع أن يميز بين الغث والسمين، وبالتالي لن تكون هناك سانحة لأي كان باستغلال هذه المعركة السياسية لحسابه عن طريق الخداع، مهما وصل به المكر السياسي، طالما أن هذه المعركة تدور رحاها في ساحة مطوقة تماما بإطار من القانون والعدالة. رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
532
| 12 أبريل 2012
اجتمع هذا الأسبوع وزراء خارجية مجلس التعاون لدول الخليج العربية ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في الرياض لإطلاق منتدى التعاون الإستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، ولكن أعمال الاجتماع قد صاحبتها أجندة غريبة لم تألفها شعوب الخليج وهي مقترح نصب الدرع الصاروخية الذي تعتزم الولايات المتحدة نشره على أراضي منطقة الخليج في مواجهة الخطر الإيراني. وفي أول رد فعل إيراني على مشروع كلينتون الأمني، أكد رئيس لجنة الأمن القومي الإيراني علاء الدين بروجردي، أن طرح مشروع الدرع الصاروخية في الخليج موضوع مثير للتوتر. وأشار بروجردي في حديث صحفي، إلى لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية مع العاهل السعودي، وقال: "إن أمريكا ومنذ سنوات ومن خلال خداع دول المنطقة، وتصوير إيران بأنها خطر على منطقة الشرق الأوسط، تقوم بابتزاز دول المنطقة، حيث تقيم العديد من القواعد العسكرية في المنطقة"، مضيفا، أن "أمريكا قامت خلال السنوات الماضية ومن خلال خدعة التخويف من إيران وإثارة الرعب في المنطقة، ببيع كميات ضخمة من أسلحتها". وقال بروجردي: "إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستبدي ردا حازما ومناسبا حيال أي إجراء يتعارض مع مصالحها الوطنية". إلا أنه وفي الوقت نفسه أكد أن اقتراح نشر الدرع الصاروخية في السعودية إنما هو على صعيد الكلام، ولا بد أن يمر بمراحل عديدة من أجل تطبيقه على أرض الواقع. ولا يبدو أن الهدف من وراء المقترح الأمريكي من نصب هذه الدرع الصاروخية يتعلق بأخلاقيات العالم المتحضر - ممثلا في أمريكا - الرامية لحماية شعب الخليج وبنيته التحتية من الخطوات الإيرانية الجادة لتطوير سلاح نووي، بقدر ما يتعلق أولا وأخيرا بمصالح الولايات المتحدة متمثلة في مشاريع النفط الخليجي. وأمريكا التي لا يهمها سوى مصالحها الاقتصادية التي يتمحور الجزء الأكبر منها حول نفط الخليج، وكذلك مصالحها السياسية التي لن تستطيع التخلي عنها حتى لو أدى ذلك لأن تصب الزيت على النار في منطقة الخليج والشرق الأوسط، من خلال بناء هذه الدرع الصاروخية المقترحة، وبالتالي جر دول الخليج إلى حرب بالوكالة ضد إيران، دون أن تكون لدول الخليج في هذه الحرب المفتعلة ناقة ولا جمل، لم ولن تكون من ضمن أهدافها يوما حماية الإنسان الخليجي، ولن يهمها أمر شعب الخليج، وإن احترق جميع الشعب بنيران الحرب، فإن جل ما يهم أمريكا هو: ألا تحترق آبار نفط الخليج. أبدت إيران تحفظها أيضا على قرار الحكومة التركية بإقامة رادارات تابعة لمنظومة الدرع الصاروخية الأمريكية على أراضيها العام الماضي، تماما مثلما فعلت روسيا. ووقتها، وحسب بعض المواقع الإخبارية، فإن سكان قرية "كوراجيك" التركية خرجوا في تظاهرات احتجاجية للتعبير عن قلقهم الشديد ورفضهم لإقامة المنظومة الصاروخية في منطقتهم، وأوضح المتظاهرون "أن نظام الرادارات الجديد ستكون له مشاكل كثيرة تتعلق بالبيئة وصحة السكان والاستقرار في المنطقة". وكذلك تظاهر عشرات الآلاف من الأتراك في العاصمة التركية أنقرة، وطالب المشاركون وقتئذ بتحويل ميزانية المنظومة الصاروخية إلى قطاع التعليم، كما رددوا في شعاراتهم: "لا نريد أن نكون درعا لإسرائيل" و"لا نريد الدرع الصاروخية". ولا يكاد يختلف اثنان على مدى خطورة هذا المشروع الأمريكي خاصة بعد تكشف أبعاد الأهداف الحقيقية للمشروع من خلال محاولات الولايات المتحدة لضرب عصفورين بحجر واحد: الحصول على نفط الخليج بأقل الأسعار، والتكسب ماديا ببضعة مليارات من خلال بيع مشروع الدرع الصاروخية لدول الخليج بأعلى الأسعار. ويقضي مشروع الدرع الصاروخية التي تعتزم الولايات المتحدة نشرها في الخليج، بإنشاء المضادات الصاروخية وربطها بأنظمة رادارية للإنذار المبكر التي قد يتم نشرها على مساحة ما في منطقة الخليج، في حال موافقة دول المجلس على ذلك. فلقد أضحى مفهوم (أمن الطاقة) أحد المفاهيم الأمنية الأساسية التي تتبناها الولايات المتحدة ضمن سياستها الخارجية، ولذلك باتت العديد من المناطق التي تتميز بوفرة مصادر الطاقة فيها، مناطق صراع حقيقي، وبالطبع فإن منطقة الخليج العربي تأتي على رأس القائمة. ولقد تناول البروفيسور "كليفورد سينجر" ـ أستاذ الهندسة النووية وعالم الطاقة، والذي عمل سابقا بالوكالة الدولية للطاقة الذرية - في دراسة له بعنوان " النفط والأمن"، دور النفط في العمليات العسكرية للدول العظمى والنشاط الاقتصادي العام. وحسب دراسة "سينجر"، فقد أعلن الرئيس الأسبق كارتر في أحد خطاباته في 1980، أن أي محاولة من القوى الخارجية للسيطرة على الخليج ستمثل تهديداً للمصلحة الأمريكية، والذي يستدعي التدخل بالقوة لحماية المصلحة الأمريكية، و"بالتالي" حماية دول منطقة الخليج من التدخل الخارجي (وكان يقصد بالقوى الخارجية في حينه، الاتحاد السوفييتي السابق)، كذلك كان لدى إدارتي كارتر وريجان خوف من قوى إقليمية ساعية إلى السيطرة على الخليج، لاسيَّما إيران الراغبة في لعب دور محوري في منطقة الخليج والسيطرة على منابعه النفطية. وتلك كانت أيضا أولوية لإدارة كلينتون حيث تضمنت وثيقة الأمن القومي في عام 1996 أن أي تهديد لمنطقة الخليج العربي يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية، مما يتطلب معه استخدام القوة المسلحة. ولا ننس مقولة الرئيس نيكسون الشهيرة والهامة جدا التي ذكرها في مذكراته التي كتبها سنة 1983 - صفحة 105 - "أصبحت الآن مسألة من يسيطر على ما في الخليج العربي والشرق الأوسط تشكل مفتاحاً للسيطرة على ما في العالم". وعليه، فإنه من المهم جدا التأكيد على أن نصب درع صاروخية في منطقة الخليج، حتى وإن كان لغرض دفاعي، إلا أنه سيدفع كل دول الخليج مجددا إلى جبهة الحرب الباردة، إضافة إلى أن مشروع الدرع الصاروخية سيعرقل علاقات دول الخليج مع إيران وروسيا والصين، الذين سيجدون في هذه الدرع تهديدا لأمنهم، بجانب الكثير من المشاكل مع بعض الدول المجاورة. ودول الخليج العربية في غِنى عن كل هذه المخاطر والمغامرات، فلماذا تحاول الولايات المتحدة أن تفرض علينا إستراتيجيتها الملوثة بهدف أن نكون مدعاة للفتنة والحروب بعد أن ظللنا لقرون مضت دعاة للمحبة والسلام؟ ولماذا لا يكون حل معضلة الطموح النووي الإيراني ضمن أجندة السياسة الخارجية لدول الخليج؟ فنحن لا نرغب أن نكون مستهدفين بالصواريخ الإيرانية من أجل عيون أمريكا وحماية حلف الناتو. وهناك سؤال هام أيضا ربما يتبادر بقوة إلى أذهاننا، وهو أنه حتى وإن وافقت دول الخليج على هذا المشروع، فهل يحق لها أن تستخدم هذه الدرع الصاروخية لصد أي هجوم محتمل آخر من أي دولة أخرى غير إيران؟ وعلى سبيل المثال إسرائيل! فلذلك نحن لا نريد للمنطقة الخليجية أن تكون على فوهة بركان، ولا نريدها أن تتحول إلى ساحة حرب، أو شاشة عرض يعاد فيها مسلسل الصراعات القديمة، ولقد وقعت إيران قبل عدة أيام اتفاقا أمنيا مع روسيا، ربما كرد فعل على مشروع الدرع الصاروخية في الخليج، مما ينذر برياح مشبعة بغيوم الخطر تتخللها أجواء الحرب الباردة. فبعد تداعيات الثورات العربية، أصبحت كل من روسيا والولايات المتحدة تتنافسان بشدة على مصالحهما في دول الربيع العربي، فتخسر أمريكا سوريا وتكسب ليبيا، وهكذا.. وكأن التاريخ يتهيأ لكي يعيد نفسه. ومن هذا المنطلق أكد معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية، أن دولة قطر تعارض أي ضربة عسكرية لإيران، كما ترفض تماما استخدام قاعدة العديد لشن هجوم عسكري على الجمهورية الإسلامية. وأضاف، في لقاء مع برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة الأسبوع الماضي، أن الإيرانيين والأمريكيين "يعلمون موقف قطر الرافض لأي عمل عسكري ضد إيران"، إضافة إلى "أننا لن نقبل أي عمل عدائي ضد إيران من قطر". ويبقى السؤال الملح: هل يرضخ مجلس التعاون للضغوط الأمريكية لنشر منظومة الدرع الصاروخية على أراضي الخليج العربي، أم يرفض المشروع المقترح، للمحافظة على أمن وسلامة شعوبه ومواطنيه في المقام الأول، ثم المحافظة على علاقاته مع جيرانه ثانيا، وأمريكا وروسيا والصين آخرا وليس أخيرا؟ رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
423
| 05 أبريل 2012
تنعقد أعمال القمة العربية في بغداد هذا الأسبوع، وستبدأ أعمالها الرسمية اليوم، للاحتفاء بعودة العراق كقائد إقليمي بعد عقود من العزلة التي كانت مفروضة عليه، وعدم الاستقرار الذي ظل يعاني منه. وتستضيف بغداد القمة العربية للمرة الأولى بعد 22 عاما حينما انعقدت آخر قمة عربية بها في 1990. وبالطبع فإن هذه القمة تعتبر بمثابة فرصة غانمة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للتأكيد على سيادة هوية العراق وانتمائه العربي. ومما لاشك فيه فقد تغير الكثير منذ أن استضاف العراق القمة لأول مرة في 1978، ويأتي اجتماع العرب هذا العام في ظل أجواء الحراك السياسي وعدم الاستقرار، كان آخرها انسحاب القوات الأمريكية من أرض العراق العربي بعد عقد من الاحتلال، بالإضافة للاضطرابات الطائفية التي ما زالت نيرانها مستعرة لم تخبُ، وأيضا العديد من الانقسامات السياسية، فضلا عن المشاكل الاقتصادية الضخمة التي تواجهها البلاد.عدا عن المؤشرات اللافتة في الخارطة السياسية الجديدة في العراق من خلال منظار ثلاثي الأبعاد، حيث إن الشخصيات الثلاثة الرئيسية الذين سيحضرون القمة كممثلين للعراق هم من الأكراد، جلال طالباني - الرئيس الحالي للعراق، هوشيار زيباري - وزير الخارجية، وخير الله بابكر - وزير التجارة. وبالنسبة لبابكر وزيباري، فسيستضيفان الجلسات التحضيرية للمجلس الاقتصادي للقمة ووزراء الخارجية العرب، كل حسب منصبه، في حين يعتبر طالباني – صاحب الدار - المضيف الرئيس للقمة بصفته رئيسا للدولة. وهذه ربما تكون المرة الأولى التي يحتل فيها كردياً مقعداً كرئيس فخري لجامعة الدول العربية.وهذا مؤشر واضح إلى أن الجماعات العرقية والدينية المختلفة أصبحت الآن تتقاسم كعكة نظام الحكم في العراق. وشتان ما بين وضع العراق السياسي الآن وهو يستضيف القمة الحالية، وبين القمة السابقة التي استضافها في عام 1990، حينما كان يتربع على سدة الحكم الراحل صدام حسين، قبل أشهر من غزوه للكويت.وينعقد مؤتمر القمة في أعقاب الاضطرابات السياسية التي عمت كافة أنحاء الشرق الأوسط من خلال انتفاضات الربيع العربي. وستقوم كل من تونس ومصر وليبيا واليمن بإرسال ممثلين جدد إلى قمة بغداد بعد سقوط الأنظمة السابقة التي كانت تدير شؤون البلاد، وستكون هذه فرصة جيدة للتعرف على شخصيات قيادية جديدة وعلى مواقف بلادهم حول مختلف القضايا التي تؤثر على العالم العربي الجديد. بعدما تغيرت – جزئيا – خارطته السياسية.وفي ذات الوقت، فإن سوريا التي تعيش حاليا (ربيعا) من نوع آخر خاص بها، يصطلي فيه شعبها المنتفض بهجير الفقر والجوع ونار القتل والقمع والتشريد، لن يتمكن وفد حكومة الجمهورية العربية السورية من حضور أعمال القمة، نتيجة لتعليق عضويتها العام الماضي وذلك بسبب العنف اللاإنساني للنظام وانتهاكات حقوق الإنسان، وعليه، فسيكون مقعد سوريا في القمة خاليا. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فخلال قمة الجامعة العربية 1990 في بغداد، لم يحضر الرئيس السوري السابق حافظ الأسد القمة بسبب علاقته المتوترة وقتها مع الرئيس الراحل صدام حسين. وفي هذا العام، نرى الشبل من ذاك الأسد يكرر ذات المشهد بترك مكان الوفد السوري فارغا.إنني لا أؤمن بالتشاؤم، ولكن من الملاحظ أنه في القمتين اللتين استضافتهما العراق في السابق، دائما ما كانت تحدث أزمة ما في العالم العربي. فخلال قمة 1978، تم طرد مصر من الجامعة بعد توقيع الرئيس الراحل أنور السادات على معاهدة (كامب ديفيد) مع رئيس الوزراء الإسرائيلي (مناحيم بيغن). ثم في مؤتمر القمة 1990، شهدت بداية الخلافات بين العراق ودولة الكويت والإمارات العربية المتحدة بشأن إنتاج وتصدير النفط، أعقبها الغزو العراقي للكويت، كما تنامت آنذاك أزمة سياسية بين سوريا والعراق. وهذا العام، فإن مؤتمر القمة ينعقد في أعقاب ثورات الربيع العربي وتداعياتها.ومع هذه القمة التي تنعقد في خضم وضع مضطرب في العالم العربي، فإننا قطعا لسنا متفائلين كثيرا بنتائج القمة، باعتبار أن هذا الاجتماع لن يخلص إلى شيء سوى اتساع الهوة بين الدول العربية بعضها البعض، فالعرب أصلا منقسمون - حول قضية سوريا على أقل تقدير - وكأن قمة بغداد ستردد مقولة "إن العرب اتفقوا على ألا يتفقوا". أضف إلى ذلك أن القمة تنعقد على أرض العراق التي تهزها التوترات الطائفية بين الشيعة والسنة والأكراد، وكل هذه المواقف المتباينة لا شك أنها ستساهم في ازدياد شقة الخلافات بين مختلف الدول العربية وستعزز الاختلافات في مواقفها.وقد أمر الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر بمنع كافة التظاهرات ومظاهر الاحتجاجات خلال فترة انعقاد القمة العربية، والتي كان يأمر بها أتباعه حتى وقت قريب، كتلك الاحتجاجات المناهضة لكل من مملكة البحرين والعربية السعودية، وذلك من أجل إظهار نوع من حسن الضيافة العراقية ومنعا لإحراج قادتهم.وهنا وجب لنا أن نتساءل: كيف للحكومة العراقية الحالية، أن تقود أعمال القمة العربية لمدة عام كامل وهي تعاني من كل تلك التناقضات السيادية والسياسية والعرقية أو الإثنية؟ هل يعطي من لا يملك لمن لا يستحق؟ والسؤال الملح الذي يفرض نفسه كيف لحكومة المالكي غير القادرة على تحقيق التناغم الاجتماعي بين فئات المجتمع العراقي المتباينة، أن تتمكن حتى من مجرد تحريك مغزل نسيج الوحدة العربية المنشودة؟ وكيف لحكومة دولة انسحبت منها للتو قوات الاحتلال الأمريكية تاركة خلفها سلطة احتلال سياسية طائفية تتولاها إيران، أن تكون قادرة على المناداة بشعارات الحرية والعزة والكرامة والقومية العربية والعمل العربي المشترك، والذي على رأس أولوياته الوحدة واستعادة القدس؟أطلعنا الإعلام على أن القمة العربية ببغداد ستكون سريعة وخاطفة، حيث لن يغمض جفن لضيوف القمة وبالأخص على مستوى القادة العرب المشاركين، وبعيدا عن السخرية، فإن أول ما يتبادر للذهن عند قراءتنا لكلمات على شاكلة "سريعة وخاطفة" في إطار الحديث عن قمة عربية، فإنه يجب التحذير من مخاطر القمم السريعة، أو أيا كان مسماها، على صحة البدن العربي.وما زال الوقت مبكرا للحكم على المقررات النهائية للقمة، ولكن يظل يلازمنا الشك فيما إذا كانت القمة الحالية في بغداد ستخرج علينا بإجراء أو حل مباشر يكون على قدر الاهتمام الكبير الذي يوليه الشعب العربي لهذه القمة، لمواجهة التحديات الكبيرة الماثلة أمام العالم العربي حاليا ومستقبلاً.إن سفينة الوطن العربي تتأرجح حاليا على أمواج محيط غير هادئ من التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتحتاج بالتالي إلى ربانٍ عربي، وقائد يكون قادرا على تحديد اتجاه الهوية العربية وتقديم حلول لمتغيرات الخارطة السياسية القادمة لسفينة الوطن العربي، حتى تستطيع أن تبحر بسلام دون أن تعصف بها الأمواج.وأخيراً:قال الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدة (يا صبر أيوب مرة أخرى)الله يا وطني.. خمسـون موجعةوأنت تنـزف، والأعـراب ما سألـوالم يتركوا لكَ حتى في الردى أملاًوأين.. من أين يأتي مثـلك الأمـلُ؟
2559
| 29 مارس 2012
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الأسبوع، أنها ستنفق 25 مليون دولار أمريكي هذا العام على برامج حرية الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط. وحسب تصريح على موقع الوزارة، فإن هذه البرامج تهدف إلى توفير برامج التدريب والأدوات اللازمة لناشطي المجتمع المدني في منطقة الشرق الأوسط والعالم، لتمكينهم من ممارسة حريات التعبير ولتنظيم وإنشاء التجمعات على شبكة الإنترنت وكذلك عبر وسائل تقنيات الاتصالات الأخرى. وتجدر الإشارة إلى أن كلا من وزارة الخارجية الأمريكية والوكالة الأمريكية للتنمية قد أنفقتا 76 مليون دولار في الفترة بين 2008 و 2011 على عمليات برمجة حرية الإنترنت. قد تبدو هذه البرامج من الوهلة الأولى، وكأنها مبادرة من جانب الولايات المتحدة لتعزيز حرية الإنترنت العالمية. ولكن الحقيقة تكمن في أن بعض الناس قد يرون في ذلك فعلا سلبيا، معتبرين أن الولايات المتحدة تسعى لخلق العديد من المتاعب، وأنها بذلك تتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. وقد يراها الآخرون شكلا من أشكال التجسس، خصوصا وأنه يشوبها الغموض فيما يتعلق بمن يتلقى الدعم منها. هذا بالإضافة إلى أن هذه المبادرة يمكن أن تصطدم مع قوانين وسائل الإعلام لبعض الدول في منطقة الشرق الأوسط، حيث توجد ضمن هذه القوانين أحكام لا تسمح لوسائل الإعلام، القديمة منها والجديدة، بالحصول على تمويل لأنشطتها من الدول الأجنبية. ومع ذلك، فإن سياسة الولايات المتحدة لتعزيز حرية الإنترنت في جميع أنحاء العالم تبدو غير متوافقة مع الإجراءات التي اتخذتها كبرى شركات تكنولوجيا المعلومات العملاقة، مثل جوجل وتويتر ويوتيوب وأيضا البلاك بيري، والتي ظهرت جليا في الآونة الأخيرة من خلال امتثالها لطلبات حكومات بعض الدول لمنع تداول أي محتوى ترى هذه الحكومات أنه يسبب ضررا لمصالحها أو خطرا على أمنها. حيث أعلن موقع تويتر في وقت سابق من هذا العام، بأنه أصبحت لديه القدرة على فرض رقابة وقيود على محتويات تعليقات المستخدمين، حيث سيضطر موقع تويتر لحذف التعليقات التي تتضمن محتويات تعتبر مخالفة في دولة بعينها من خلال منع ظهورها في تلك الدولة تحديدا، مع إتاحتها في باقي دول العالم، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول كيفية تعامل موقع هام من مواقع التواصل الاجتماعي كتويتر - والذي تتنامى قاعدة مستخدميه بصورة سريعة على مستوى العالم - مع قضايا حرية التعبير، كما أثار إعلان تويتر موجة من الاحتجاجات الغاضبة من قبل جمهور المستخدمين وخاصة جماعات دعاة حرية الإنترنت، التي أصبحت تتحسر على حقيقة قبول مثل هذه الشركات العالمية، والتي تتبنى سياسة الجزرة والعصا في آن واحد، وهي الدعوة لحرية التعبير في ذات الوقت الذي تمتثل فيه لمطالب بعض الحكومات الحريصة على قمع معارضيها، حتى وإن كانوا مجرد سكان آمنين في بيوتهم. ومؤخرا، أعلنت جوجل أيضا أنه سيتم توجيه روابط مواقع المدونات إلى عناوين نطاقات خاصة بكل بلد، حيث ذكرت شركة جوجل موضحة: "نحن نفعل ذلك لتوفير المزيد من الدعم لإدارة محتوى المدونة محليا، وإذا تلقينا طلبا بإزالة محتوى ما، يخالف القانون المحلي في أي دولة، فإن هذا المحتوى لن يكون متاحا للقراء في النطاق المحلي لتلك الدولة حيث تطبق تلك القوانين. وهذا الإجراء التحديثي يتماشى مع النهج الثابت الذي ظللنا نتبعه والذي لم يتغير، تجاه حرية التعبير والمحتويات المثيرة للجدل". كل هذه التطورات لا تبشر بالخير بالنسبة لنشطاء الإنترنت، وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط، التي لعب فيها الإنترنت - عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي - دورا حاسما في حشد المتظاهرين في دول الربيع العربي، والتي أدت إلى سقوط العديد من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة. وربما إذا قامت هذه الشركات بتنفيذ إجراءاتها الرقابية تلك المقيدة لحرية التعبير، في الدول الغربية، حيث توجد هناك حكومات منتخبة ديمقراطيا، فقطعا لن تكون هناك إشكالية كبيرة، لأن هذه الدول لديها برلمانات ومجالس وهيئات ممثلة للشعب، وتعتبر في واقع الأمر بمثابة الجهاز المنظم لنبض الشارع، والجهة الممثلة الشرعية لصوت الشعب. بالإضافة إلى أن هذه الدول لديها قوانين وتشريعات تسمح بحرية الرأي والتعبير بين مواطنيها، ولديهم كذلك مختلف القوانين التي من شأنها حماية الناس من كل ما يعرض حقوقهم للانتهاك. ولكن الأمر يختلف عندما يتم تطبيق هذه القيود في منطقة الشرق الأوسط، حيث إن الديموقراطية لم تنضج بما فيه الكفاية لتؤتي ثمارها كما هو الحال في الدول الغربية، ولا يوجد اختيار حقيقي لجهة تمثل نبض الشارع وتلهج بأصوات الأغلبية. وهناك الكثير من دول المنطقة أيضا ليست لديها قوانين للإنترنت أو تشريعات تتيح حرية التعبير. وحتى البلدان التي قامت فيها انتفاضات الربيع العربي، لا تزال دساتيرها قيد الدراسة والنقاش أو في طور وضع اللمسات الأخيرة، ولذلك لا توجد حماية قانونية سارية النفاذ لحقوق الناس وحرياتهم. لا شك أن الإجراءات التي تتخذها هذه الشركات الأمريكية الكبيرة، تتعارض مع مبادرة الولايات المتحدة بشأن تعزيز حرية الإنترنت العالمية، وتقوّض سياسة الحكومة الأمريكية - القائمة أساسا على الحرية - التي تروج لها، وهذا يعني أن هناك تضاربا في المصالح. فمن جهة، تنشط حكومة الولايات المتحدة في إنفاق ملايين الدولارات على البرامج التدريبية وتوفير أدوات للناشطين من أجل دفعهم لتجاوز القيود الحكومية في بلدانهم وممارسة حرية التعبير بكل اطمئنان، ومن جهة أخرى، تقوم الشركات التقنية الرائدة في مجال خدمات الإنترنت، مثل جوجل وتويتر، بالامتثال سمعا وطاعة لطلب الحكومات الأخرى الرامي لفرض رقابة وقيود على معلومات وبيانات محددة تخص آراء وتعليقات المستخدمين. إن هذه الإجراءات تعطي إشارات متباينة ومتناقضة للناس في الشرق الأوسط بشأن ماهية النوايا الحقيقية لحكومة الولايات المتحدة، وتثير الشك والريبة، وهذا ما يقودنا إلى السؤال: ما هي الأجندة الحقيقية وراء هذه المبادرة للولايات المتحدة؟ وهل الحكومات العربية على علم بأن الولايات المتحدة تقوم بتمويل ناشطي الإنترنت وتعلمهم كيفية تجاوز القيود المفروضة على الإنترنت والاتصالات في بلدانهم؟ وحتى يتم تطهير هذه المبادرة من الشك في أجندتها الحقيقية، فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تكون أكثر شفافية فيما يتعلق بالأفراد أو المجموعات التي تتلقى هذا الدعم، فضلا عن المعايير التي يتم من خلالها اختيار الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا جزءا من البرنامج. ومن ناحية أخرى، فإن الولايات المتحدة ينبغي أن تتعاون مع الأمم المتحدة من أجل تنفيذ هذا البرنامج بدلا من القيام به من تلقاء نفسها، لأنها بذلك سوف تعطي البرنامج المزيد من الشرعية، وستبدد الشكوك العالقة في أذهان الناس في الشرق الأوسط في أن هذه البرامج ليست إلا مجرد حيلة ذكية، ذات أجندة خفية، تتخذها الولايات المتحدة للتجسس على بلادهم وتحرض بها على الاضطرابات وعدم الاستقرار. وينبغي للأمم المتحدة، بدعم من القوى العظمى الغربية مثل الولايات المتحدة، والتي لديها البنية التحتية للتكنولوجيا المتقدمة، استصدار قانون دولي لحرية الإنترنت يحظى باحترام جميع الدول، على غرار القانون الدولي لحقوق الإنسان. وبناء على هذا القانون الدولي لحرية الإنترنت يتسنى لكل دولة وضع القوانين الخاصة بها، والتي ستتضمن أيضا أحكاما تتوافق مع ثقافتها ومعتقداتها الدينية ومبادئها الخاصة بها. وسيقوم هذا القانون بوضع معايير موحدة لجميع الدول فيما تتعلق بحرية الإنترنت، تضمن حماية حقوق كل الناس في هذا العالم الذي ظلت تتلاطم به أمواج العولمة العالية وتقود دفته في اتجاه العلم والتكنولوجيا، وتجتاحه رياح ثورة المعلومات والاتصالات العاتية، التي تتراجع حيالها قيمة الحدود بين الدول. رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
460
| 22 مارس 2012
يعتبر اليمن أول بلد من بلدان الربيع العربي يشهد انتقالا سلميا للسلطة بموجب المبادرة الخليجية، والذي طوى رسميا فترة حكم علي عبد الله صالح بعد انتخابات 21 فبراير، إلا أن نجاح الفترة الانتقالية يعتمد على مدى قدرة الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي على إيجاد حلول لمشاكل البلاد الأساسية، بما في ذلك قضية الجنوبيين ومسألة الحوثيين، والذين قاطعوا الانتخابات الرئاسية الأخيرة مما قد يشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار ووحدة اليمن. ووضعت الثورة الشبابية السلمية في اليمن حدا ونهاية لحكم علي عبد الله صالح بعد أن تجاوزت كثير من العقبات وضربت مثلا رائعا في قوة الإرادة والصبر وقدمت للعالم صورة أكثر من رائعة عن سلمية كفاح شريحة الشباب، وغيرت خارطة اليمن القبلية والعسكرية، وأصبح الشباب حماة لمؤسسة الحكم التي لن تكون بعد الآن ملكا لعائلة أو حاكم مستبد يستقوي بها على الشعب. وتوجت جهود ثورة التغيير السلمية بانضمام بعض الوحدات العسكرية بكاملها للثورة وكذلك بعض القبائل الذين خاضوا معارك ضد القوات الموالية لصالح، بجانب قوة الجنوبيين والحوثيين في الوقوف مع الثورة والذي أدى في نهاية الأمر لرحيل علي عبد الله صالح غير مأسوفا عليه. فلقد أسهم علي عبد الله صالح في تدهور أوضاع اليمن خاصة بعد تجربة الوحدة اليمنية التي بدأت في 1990 والتي شابتها أخطاء عززت انعدام الثقة بين الجنوبيين وأهل السلطة في الشمال، فالجنوبيون يرون أن الوحدة قد فرضت عليهم مرتين، قسريا في 1990 وعسكرياً في حرب 1994 رغم رمزيتها المعنوية الإيجابية. ولم يراعِ علي عبد الله صالح بفرضه للوحدة - بصيغتها تلك - المصلحة الحقيقية للشعب اليمني، ولم يضع تقدم البلاد وحريتها ومؤسساتها الدستورية وطرق توزيع ثرواتها في حساباته السياسية، وكأنما لم تعنِ له الوحدة سوى كلمة حق لم يراد بها الحق والعدل، ذلك أن الوحدة قد أسهمت في تقوية الموروثات القبلية، وأطالت من النهج الاستبدادي للنظام والذي نشر الفساد والمحسوبية والفئوية من ناحية وعضد الفكر القبلي والمتشدد من ناحية أخرى، وأفرزت نتائج الوحدة أخطاء كثيرة لم يكن من المفترض أن ترى النور، وحدث كل ذلك بسبب انقلاب علي عبد الله صالح على الوحدة وسيطرة الحزب الواحد على الحكم طوال السنوات الماضية وإقصاء الجنوبيين عن المشاركة في الحكومة حيث استأسد على خيرات وثروات البلاد من نفط وأراض وتجارة وغيرها من الموارد الاقتصادية واستغلالها لمصلحة حفنة من المقربين، واستطاع الاستمرار في الحكم بفضل السيطرة القبلية والعسكرية وسيطرة الحزب الواحد وانفراده بالحكم وإنكار المشاركة ورفضه لكافة آليات تداول السلطة. ولم يستطع حكم علي عبد الله صالح تحقيق الاندماج الوطني باعتبار أن واقع اليمن يعاني من تباين فكري وفئوي، فلقد كرس صالح لهيمنة البنية القبلية والفكر التقليدي في الشمال في الوقت الذي غلفت فيه الاشتراكية في الجنوب مصالح فئات وشرائح تتعارض مصالحها مع مشروع الوحدة. فلا يكفي أن يطرح نظام علي عبد الله صالح شعار الوحدة كنهج رافض للتجزئة السياسية، بل الأمر يتطلب حلا أشمل للمشكل اليمني يتمثل في الاستغناء عن نظام الحكم المركزي وتبني النهج الفيدرالي باعتباره قاعدة أساسية للبناء الديموقراطي والوحدوي. فما يحتاجه اليمن حقيقة هو إصلاح مؤسسة الحكم من الداخل ومحاربة الفساد والحد من حكم الفرد العائلي والعشائري، فاليمن للجميع وليس لفئة أو عشيرة أو مذهب أو شخص، وعندما يصل اليمنيون لحالة توافق وطني سيتحقق وقتها الاندماج الوطني. وببناء برنامج إصلاح حقيقي شامل بضمانات دولية وإقليمية فإن كل الملفات العالقة ستحل تلقائيا، وبالتالي لن يسعى الشعب اليمني في الجنوب إلى المطالبة بفك الارتباط ولن يسمع لدعوات الانفصال دويا كما حدث في الماضي القريب، فلقد تخلت أغلب التنظيمات الجنوبية عن فكرة الانفصال بعد قيام ثورة الشباب السلمية معلنين تأييدهم لثورة الشباب ورافعين علم الوحدة. فلتذهب إذا سياسات التهميش والإقصاء والهيمنة المناطقية والعشائرية والعائلية أدراج رياح التغيير. وليبقى اليمن الفيدرالي السعيد ديمقراطيا في ظل قيادة تمتلك الشفافية وتتمسك بالأدوات الديمقراطية. إن الوحدة هدف سامي سعى له شعب اليمن بدمائه وتضحياته، والأصعب من تحقيق الوحدة نفسها هو الحفاظ عليها وتنميتها وجعل الناس يتنفسونها في حياتهم اليومية، وليست مجرد شعور طاغ متعال وإحساس بهيمنة القوي على الضعيف، أو ثوبا فضفاضا يستر فساد السلطة وأجهزة الحكم، والوحدة ليست مجرد أغنية حماسية تذاع في الأثير وتشاهد في التلفاز، إن الوحدة الحقيقية لا يصونها إلا الشعب، ولا يمكن أن تكون حالة جذب سماوي يسبح بحمدها الرئيس وحده وتكتوي بنيران فشلها جماهير الشعب. ولكن رحيل صالح لا يعني أن مشاكل اليمن قد انتهت بين عشية وضحاها، فثلاثة عقود من الحكم تركت دون شك تركة ثقيلة نتمنى ألا ينوء عن حملها الرئيس عبد ربه منصور هادي أو أي كتلة سياسية قادمة عبر الانتخابات، وتشمل هذه التحديات جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من بينها تحسين مستويات المعيشة وتنمية الاقتصاد القومي، وسيواجه يمن ما بعد سقوط نظام صالح ورحيله، استحقاقات كبيرة من أهمها إيجاد حل عادل للقضية الجنوبية، وقضية الحوثيين في صعدة، وموضوع إرهاب "القاعدة" التي كان يرعاها النظام السابق كنوع من الابتزاز للأمريكيين والغرب، إضافة إلى القضايا الأساسية في حياة المواطن كالفساد والتنمية وبناء الدولة المدنية الحديثة. ويواجه الرئيس اليمني الجديد مهام صعبة وتحديات كبيرة وخطيرة خلال فترة العامين المقبلين، حيث تتعدد المطالب التي يسعى الشعب اليمني إلى تحقيقها، وتتنوع ما بين إصلاح ما أفسده نظام صالح، وما يتطلع إليه أبناء الشعب نحو غد أجمل لهم ومستقبل وحدوي أفضل لبلادهم. وعليه فإن أكثر الأولويات أهمية التي تقف أمام الرئيس اليمني الجديد تتمثل في البدء بوضع آلية إصلاح تبدأ بالدستور، وتحقيق توافق وطني شامل لا يستثني أحدا، وتطوير نظام التعددية السياسية والحكم الرشيد وضمان آلية تداول السلطة بمشاركة جميع القبائل وتشكيل نسيج من جميع الأطراف يؤدي إلى توافق وطني لضمان استمرارية الوحدة، والاتفاق على أسس دستورية لقيام دولة مدنية حديثة أساسها المواطنة والعدل والمساواة بنظام فدرالي يعزز من صلاحيات الأقاليم، فإن نجاح اليمن مرهون بنجاح الفيدرالية. إن أمام الرئيس عبد ربه منصور هادي فرصة تاريخية من أجل إحداث تغيير حقيقي لبناء الدولة المدنية الحديثة واستعادة المشروع الحضاري لنهضة اليمن الموحد الذي يلبي طموحات الشعب ومطالب ثورة الشباب السلمية. ونحن من جانبنا يحدونا الأمل في أن يكون للرئيس عبد ربه هادي حصان السبق في هذا التحول بعد أن أجمع عليه اليمنيون وتسلم مقاليد رئاسة الدولة، وأن الفرصة الآن صارت مؤاتية له للعب دور تاريخي في كتابة تاريخ اليمن الحديث بإخراج اليمن من هذه الأزمة الخطيرة، وإذا ما استطاع هادي قبول التحدي وتجاوز الأزمة، فإن ذلك سيمثل حافزا ضخما يذلل الطريق أمام تلبية مطالب الشعب. عبد ربه منصور هادي يمكن أن يمثل رمز اليمن الحديث، ولديه الفرصة المتاحة ليذكره التاريخ وليكون خالدا في ذاكرة اليمن كرمز قومي وأحد المؤسسين للدولة اليمنية العصرية الحديثة، فالرئيس هادي يستطيع أن ينقل اليمن من مهب ريح الربيع العربي إلى رحاب حدائق اليمن السعيد.
482
| 08 مارس 2012
ما تزال أعمال العنف تتصاعد في سوريا رغم تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة لقرار يدين القمع في سوريا ويدعو الرئيس السوري بشار الأسد للتنحي ووقف القمع الوحشي ضد المتظاهرين في البلاد. ودخلت الانتفاضة السورية مرحلة أكثر عنفا حينما اجتاحت يوم السبت الماضي موجة أخرى من موجات العنف الدموي العاصمة السورية دمشق، عندما قامت قوات أمن النظام بإطلاق الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع على مشيعين حضروا لتشييع جنازة ثلاثة من الشبان الذين قتلوا في مظاهرة احتجاج سابقة ضد الأسد. ومع اشتداد وتيرة الصراع في سوريا واقتراب ذكرى مرور عام كامل على انطلاق الثورة السورية في مارس المقبل، وفي ظل غياب أي بارقة أمل تخفف من وطأة أعمال العنف وتحقق آمال وتطلعات الشعب السوري للحرية، فإن خطوات سوريا أصبحت على قاب قوسين أو أدنى من فوضى عارمة مركبة. ومع ذلك، فلقد ظهر سيناريو آخر جديد على مسرح الأزمة السورية، وهو أن وضع سوريا كما هو عليه الآن بات يشابه الوضع في أفغانستان، فالأصوات التي كانت تحذر في السابق من مخاطر حرب أهلية، أيقنت أن سوريا اليوم ماضية أكثر فأكثرلأن تصبح أفغانستان القادمة. وذكر رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية الأمريكي، جيمس كلابر، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي خلال جلستها الخميس الماضي: "هناك ظاهرة أخرى مثيرة للقلق، وهي أننا لاحظنا مؤخرا وجود متطرفين اخترقوا جماعات المعارضة". وأضاف أن التفجيرات التي شهدتها دمشق وحلب خلال شهر ديسمبر من العام الماضي "تحمل كلها بصمات القاعدة، لذلك نعتقد أن القاعدة في العراق آخذة في مد نفوذها إلى سوريا". وذكرت صحيفة ديلي تلغراف في نوفمبر من العام الماضي أن عبد الحكيم بلحاج، رئيس المجلس العسكري في طرابلس، والزعيم السابق للجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، كان في اسطنبول واجتمع مع قادة الجيش السوري الحر. وأعقب ذلك تقرير آخر من صحيفة كراسنايا زفيزدا الروسية، كشف عن أن ليبيا تقوم بتزويد جماعات المعارضة في سوريا بالمال والسلاح، ووفقا للصحيفة، فلقد تم نشر كتيبة من المقاتلين الليبيين بقيادة بلحاج، على الحدود التركية السورية. وفي الوقت نفسه، ذكرت قناة روسيا اليوم الفضائية، أنه تم إرسال نحو 600 جندي ليبي لمساعدة مجموعات المعارضة في سوريا في صراعهم المصيري ضد نظام الأسد. إلا أن أعضاء الجيش السوري الحر نفوا نشر أي مجموعة من المقاتلين الليبيين على الحدود السورية، وقال المتحدث باسم الجيش السوري الحر، الرائد ماهر النعيمي - في حوار لصحيفة الشرق الأوسط في ديسمبر من العام الماضي - أن مجموعته ليس لديها أي اتصال مع عناصر عربية أو أجنبية. ورغم هذا الإنكار، إلا أنه و بلا أدنى شك فإن الاضطرابات الجارية والصراع المحتدم في سوريا يفتحان الباب على مصراعيه أمام الجماعات المتطرفة للإسراع في انتهاز هذه الفرصة. ومؤخرا، دعا زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في شريط فيديو ظهرعلى مواقع جهادية على الإنترنت، والذي جاء بعنوان "إلى الأمام يا أسود سوريا"، المسلمين إلى نصرة الشعب السوري بكل ما يملكون لمساعدتهم على مواجهة قوات الأسد. وكان الهدوء قد خيم على تنظيم القاعدة خلال ظهور انتفاضات الربيع العربي، كما أن مقتل زعيمها أسامة بن لادن قد زاد الطين بلة، إذ مثل ضربة موجعة للقاعدة. ولكن مع دعوة الظواهري السوريين إلى حمل السلاح ضد نظام الأسد بغية التحرر والاقتصاص منه من أجل العدالة، فإنه من الواضح أن الجماعات المتطرفة سوف تشارك بنشاط وفاعلية في الصراعات الإقليمية الدائرة في المنطقة العربية لإثبات وجودها، في محاولة فيما يبدو لرفع روحها المعنوية، لقد رأت الجماعات المتطرفة في الأزمة السورية فرصة سانحة تحقق لهم طموحاتهم، خصوصا بعد أن رأت تردد الدول العربية والغربية والأمم المتحدة حيال الأزمة في سوريا، وعدم اتفاقها على ما يمكن عمله كحسم فوري لإنقاذ الشعب السوري، بالإضافة إلى غياب صيغة سياسية ناجعة من أجل تهدئة الاضطرابات ناهيك عن وقف التظاهرات وتنحي الأسد. سوف تجد هذه الجماعات المتطرفة فرصة لاستخدام سوريا كقاعدة لعملياتها الجهادية وساحة لحربها الفكرية، حيث يمكنهم نشر أفكارهم المتطرفة والإعداد لبدء حروبهم المقدسة في جميع أنحاء المنطقة، ولقد نجحت هذه الجماعات بالفعل في تسويق أفكارها وبالتالي في إيجاد موطئ قدم لها في بعض الدول العربية والإسلامية، إذ أنهم يستقطبون عقول الشباب وقلوبهم للتغرير بهم، مستغلين في ذلك الأخطاء التي تقع فيها أنظمة بعض الدول، وها هي سوريا تقدم لهذه الجماعات المتطرفة الفرصة المؤاتية على طبق من ذهب، وتفتح لهم بابا يدخلون من خلاله للحصول على الهدف المنشود. وبالفعل، قام تنظيم القاعدة في العراق بالبدء في حشد عناصره الميدانية للسير نحو الأراضي السورية، حيث أشارت تقارير إخبارية هذا الأسبوع إلى أن مكتب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي كان قد أصدر بيانا جاء فيه أنه تم اتخاذ التدابير اللازمة لتعزيز الأمن في الحدود العراقية السورية لمنع تهريب الأسلحة، بعد مزاعم تفيد بأن كميات ضخمة من الأسلحة وجحافل من المسلحين المسلمين السُنة قد دخلوا إلى الأراضي السورية. ومع جلاء القوات الأمريكية ومغادرتها العراق، واستمرار الصراع الداخلي، فإن كثيرا من هؤلاء المتطرفين ظلوا يبحثون عن مناطق نزاع أخرى يستطيعون من خلالها توسيع رقعة الاضطرابات في المنطقة، ويرى هؤلاء في سوريا أرض ميعادهم وبغيتهم التي يمكنهم فيها تحقيق الكثير من أجل قضيتهم التي يدعون لها، حيث إن الجماعات المتطرفة هذه لم تستطع إسقاط الحكومة الحالية التي يقودها الشيعة في العراق، ولذلك كان لا بد لتنظيم القاعدة في العراق من البحث عن بدائل أخرى لإعادة تأكيد وبسط نفوذ القاعدة في المنطقة. إن وصول عناصر تنظيم القاعدة إلى سوريا لن يؤدي إلى تعقيد الأمور وتفاقم الأزمة هناك فحسب، بل سيكون له أيضا تأثير كبير على الدول المجاورة لسوريا مثل لبنان والأردن والعراق. وإذا ما حدث ذلك، فإننا نتوقع أن يأخذ شكل الصراع ثلاثة محاور: المحور الأول: سيكون الصراع ما بين تلك الجماعات المتطرفة ونظام الأسد، فهذه الجماعات المتطرفة تتشاطر نفس الهدف الاستراتيجي لابن لادن والداعي لإسقاط الحكام العرب، مثل الأسد، كما يحدوهم الأمل في تأسيس نظام حكمهم الإسلامي القاعدي الخاص بهم، ووضع لبنات فكرهم المتطرف في جميع أنحاء المنطقة العربية. والمحور الثاني: هو اندلاع الحرب الأهلية الحقيقية في سوريا بين مختلف المجموعات العرقية والقبلية في البلاد، وهذه الجماعات لديها أنواع شتى من المعتقدات والولاءات، وبعضها موالية للأسد في حين أن البعض الآخر مناهض له، وهذا ما سيزيد النار اشتعالا والحرب الأهلية استفحالا في ظل النزاع المتفجر أصلا. أما المحور الثالث: فسيكون العنف الطائفي بين السنة والشيعة، فلقد ظلت هذه الفتنة النائمة تعكر صفو الوحدة الوطنية في سوريا وتهدد أمنها وتقض مضاجع السوريين في مختلف أرجاء البلاد. وهناك احتمال كبير بأن تؤدي الأزمة السورية في نهاية المطاف إلى أن تصبح سوريا النسخة العربية من أفغانستان أخرى، أو بالأحرى أسوأ من أفغانستان، خاصة إذا ما تمكنت الجماعات المتطرفة من إدخال إسرائيل في الصراع وتكبير مساحة الأزمة. ومما لا شك فيه، أن الصراع سيمتد ليهدد أمن البلدان المجاورة، وبطبيعة الحال لن تتأثر فقط الدول العربية المجاورة لسوريا مثل العراق أو لبنان، ولكن سوف تكون إسرائيل طرفا في الصراع وذلك بسبب موقع سوريا الاستراتيجي. وإذا تمكنت هذه الجماعات المتطرفة من قلب نظام الأسد وأصبح لها نفوذ قوي في سوريا، فإنها قطعا ستعمل على تمكين أجندتها السياسية الخاصة بها والتي تسعى لبسط نفوذها على مجمل الخارطة العربية وتعزيز فكرها القاعدي في الدول العربية الأخرى، ومن أجل تحقيق ذلك، فإنها حتما ستشن حربها المقدسة ضد كل أولئك الذين تعتبرهم أعداءها، وهذا يعني تحديدا إسرائيل وبقية الدول الغربية الذين يعارضون خطها الفكري المتطرف. أضف إلى ذلك أن هذه الجماعات ربما تنال قدرا من التعاطف من قِبل الدول العربية الأخرى التي اجتاحتها رياح الربيع العربي، مثل مصر وتونس وغيرها من بلدان الربيع، والتي تمكنت فيها الجماعات الإسلامية من اكتساح القوى الأخرى ونالت ثقة الناخبين، وبالتالي نالت نصيب "الأسد" من الكعكة الحكومية. ولذلك، فإننا نحث المجتمع الدولي والأمم المتحدة على عدم التردد، واتخاذ إجراءات فورية وحاسمة ضد الأسد وإجباره على التنحي، قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه وتصل سوريا إلى النقطة التي يكون فيها للجماعات المتطرفة كامل التصرف في شؤون البلاد والعباد. وإذا لم يقم المجتمع الدولي الآن بواجبه الإنساني والأخلاقي تجاه الأزمة في سوريا، فإنه سيتركها تلاقي مصيرها المحتوم ووقتها سيكون هناك المزيد من التعقيد على الوضع المتأزم بالفعل، فلا نريد في العالم العربي أفغانستان أخرى على خارطة الوطن العربي، ولا يرغب أحد منا في مشاهدة التناحر الطائفي والتفكك الاجتماعي واشتعال الحروب واصطلائها بسعير الفتن والمحن، لاسيَّما أن الوضع العربي يرثى له. رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
438
| 23 فبراير 2012
شهد هذا الأسبوع ذكرى مرور عام على الاضطرابات التي حدثت في البحرين العام الماضي، والتي كانت قد اندلعت عندما أطلق ناشطون بحرينيون دعوات عبر صفحتهم على موقع الفيسبوك "ثورة 14 فبراير في البحرين"، دعوا فيها إلى احتجاجات شعبية واسعة في البلاد، مستلهمين انتفاضات الربيع العربي الذي انتشر وعم أنحاء كثيرة في مختلف بلدان الشرق الأوسط، في محاولة للحاق بركب قطار التغيير السريع الذي انطلق من أولى محطاته في تونس. خرج آلاف البحرينيين إلى الشوارع في تظاهرات ومسيرات احتجاجية في 14 فبراير من العام الماضي، مما دفع السلطات لإرسال قوات الشرطة ومكافحة الشغب لتفريق المتظاهرين، وأدى ذلك إلى صدامات دامية بين الجانبين كانت نتيجتها مقتل عدد من الأشخاص وإصابة مئات آخرين. واستمرت الاحتجاجات الشعبية طوال الأيام اللاحقة، وطلبت الحكومة البحرينية الاستعانة بقوات درع الجزيرة المشتركة، وذلك بهدف تأمين المنشآت الاستراتيجية وحماية البنية التحتية الرئيسة من الفوضى التي اجتاحت البلاد وللمساعدة في حفظ الأمن. ومع ذلك، فإن وصول قوة درع الجزيرة زاد من تفاقم الوضع وتزايد الاحتجاجات، مما اضطر جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة في نهاية الأمر إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد. وفي 18 فبراير من العام الماضي، تم تدمير "دوار مجلس التعاون"، مركز الاعتصام الرئيس للمتظاهرين الكائن في قلب المنامة والمعروف باسم "دوار اللؤلؤة"، من قبل القوات الحكومية. وفي يونيو من العام الماضي، تم رفع حالة الطوارئ، وقام الملك حمد بتكوين اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق وذلك للتحقيق في الأحداث التي وقعت في البحرين في الفترة من فبراير 2011، والنتائج المترتبة على تلك الأحداث. ولكن، ورغم مرور عام على تلك المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في البحرين، فإن الأزمة في البلاد ما تزال تراوح مكانها ولم تحل. وقد بدأت الحكومة البحرينية بالفعل بإجراء بعض الإصلاحات بما في ذلك الحد من السلطة التنفيذية، ومنح البرلمان دورا أكبر في وضع الموازنة العامة للدولة واقتراح القوانين، بجانب منح أعضاء مجلس النواب المزيد من الصلاحيات التي تمكنهم من محاسبة واستجواب الوزراء، بالإضافة لحصول النواب على المزيد من الحماية التي تعزز حصانتهم البرلمانية وتقيهم شر الإقالة. ورغم هذه التطورات الجديدة، إلا أن تطبيق هذه الإصلاحات على أرض الواقع لا يزال بطيئا، وأن كثيرا من المحتجين ما عادوا يصدقون هذه الوعود. إنه لأمر مؤسف حقا، فالبحرين كانت من أوائل الدول في مجلس التعاون الخليجي التي بدأ فيها تطبيق إصلاحات سياسية، وفي عام 1973، أشرقت على البحرين أشعة شمس مشرقة لحياة نيابية واعدة بصدور أول دستور برلماني سياسي، وفي نفس العام قامت أول انتخابات برلمانية. وفي الواقع، فإن سجل البحرين الحافل بالإصلاحات السياسية هو أفضل بكثير من بعض دول مجلس التعاون الخليجي. وفي عام 2000، بعد أن خلف جلالة الملك حمد والده في الحكم، قام بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات فمنح العفو للمعارضين، وحل محاكم أمن الدولة ووضع ميثاق العمل الوطني البحريني، وهي وثيقة تمت الموافقة عليها في استفتاء شعبي عام والتي أشارت بوضوح إلى الإصلاحات الدستورية في البلاد. وهنا يكمن السؤال: ما الذي حدث إذاً في البحرين؟ فكما هو الحال مع انتفاضات مماثلة في المنطقة العربية، بدأت الاحتجاجات في البحرين لأسباب اجتماعية واقتصادية وارتفاع معدل البطالة في البلاد، ووفقا لكتاب حقائق العالم (ورلد فاكت بوك) الذي تصدره وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي ايه)، فإن معدل البطالة في البحرين قدر بنسبة 15? في عام 2005. وهناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء في البلاد، كما أن البحرين أيضا تعاني من التنامي المضطرد في معدل المديونية العامة الذي يبلغ حاليا 75.3? من إجمالي الناتج المحلي للبلاد. يجب أن تجد البحرين حلولا ومعالجات لمشاكلها الاقتصادية باتباع سياسات اقتصادية إصلاحية وتعزيز عدالة اجتماعية تلبي تطلعات الشعب وتهدئ من روع الاحتجاجات الشعبية القائمة. وقد تم بالفعل وضع " نسخة خليجية من خطة مارشال" لمساعدة البحرين وسلطنة عمان، الدولة الخليجية الأخرى التي ضربها زلزال الاحتجاجات، من أجل مساعدة اقتصادات الدول المعنية وذلك بضخ سيولة ضخمة لتضييق الفوارق التي أفضت إلى الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية في البلدين. وتم تخصيص مبلغ 10 مليار دولار للبحرين لتطوير المساكن والبنية التحتية خلال عشرة أعوام، كما تعهدت خطة مارشال الخليجية بإيجاد فرص عمل للمواطنين. إذا كانت الحكومة البحرينية تريد حل الأزمة، فإن عليها في المقام الأول معالجة السبب الرئيس الذي قاد للاحتجاجات هناك - والذي هو في الأساس ذو طبيعة اقتصادية، فهناك حاجة إلى تحسن اقتصادي سريع، وينبغي تطوير البنية التحتية في البلاد، ومنح الناس مساكن جيدة، وعليهم إرساء قيم العدالة والمساواة والبعد عن التمييز بكل أشكاله وتحسين المعايير الاجتماعية والمعيشية كما يجب إتاحة المزيد من فرص العمل للمواطنين، ففي ظل إصلاحات الربيع العربي، ليس بالحرية وحدها يحيا المواطن. ومع ذلك، فلا تعتبر خطوات الحكومة البطيئة في طريق الإصلاح السبب الوحيد في استمرار أزمة البلاد وعدم حلها، فهناك مشكلة أخرى تواجه البحرين وهي أن المحتجين وجماعات المعارضة أنفسهم أظهروا نوعا من عدم المرونة في مطالبهم، الأمر الذي لم يترك مجالا للتوصل إلى أي حل وسط يرضي الطرفين. عندما بدأت الاحتجاجات في البحرين، أظهر المتظاهرون، الذين جاؤوا من خلفيات طائفية وطبقية متنوعة، رغبتهم فقط في إجراء إصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق. وخلال مقابلة مع قناة الجزيرة في بداية الاحتجاجات، قال نبيل رجب، رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان: "إن كل المطالب تتعلق بحقوق الإنسان وليس لها علاقة بالأسرة الحاكمة أو نظام الحكم". ولكن، ومع استمرار الأزمة في البلاد، اتخذ الأمر بعدا طائفيا وأصبح هناك منحى سياسيا في الأزمة من خلال تأليب السنة ضد الشيعة والعكس، وبكل تأكيد لم يكن الحال هكذا في بداية الاحتجاجات. وبدخول الطائفية إلى الحيز السياسي وتسللها وسط احتجاجات البحرين، زادت الفجوة اتساعا بين البحرينيين، الذين قدموا للتظاهر من خلفيات طائفية مختلفة، ونمت الشكوك بين الطائفتين، ووصل الأمر إلى الحد الذي جعل إحدى الطائفتين ترفض شراء المنتجات التي تباع من قبل الطائفة الأخرى والعكس، وكذلك فإن بعض المناطق في البلاد نجدها مقسمة حسب الانتماء الطائفي. يجب على الحكومة السعي الجاد لإيجاد حل من شأنه أن يجمع ويوحد الشعب البحريني، وإلا فستصبح البحرين في نهاية المطاف مثل لبنان، حيث هناك فجوة كبيرة بين الجماعات السنية والشيعية. يجب على الحكومة الإسراع في تنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدستورية قبل أن تدمر بذور الفتنة الطائفية البلاد وتمزقها. ويتوجب إنشاء قانون يسمح بتشكيل أحزاب سياسية متعددة على أساس المعتقدات السياسية وليس على أسس دينية طائفية، يجب على الحكومة أيضا توفير المساواة على أساس المواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية لجميع البحرينيين بغض النظر عن انتمائهم الطائفي أو الطبقي الاقتصادي، بحيث يشعر الجميع بحضن الوطن الدفئ الذي يسع الجميع دون تمييز، ينصتون فيه إلى نبضات الحس القومي لبلادهم. إذا لم تبادر البحرين إلى معالجة المشاكل التي تواجه أولئك المحتجين، فسيأتي الوقت الذي لن يكون فيه حتى خيار الملكية الدستورية حلا لنظام الحكم الذي يمكن أن يحكم ذلك الشعب، وسيضطر الشعب إلى المطالبة بمساحة أكبر لن يرضى الشعب بأقل منها. ويتطابق هذا الرأي مع التحذير الذي أطلقه نبيل رجب، في مقابلة له مع قناة الجزيرة في بداية الاحتجاجات، حيث قال: "إذا ظلت الحكومة تلجأ إلى العنف في قمع المحتجين، فقد يضطر الناس للمطالبة بتغيير كل من هم في السلطة". يجب على جميع دول مجلس التعاون الخليجي أيضا أن تأخذ قضية الطائفية على محمل الجد، حيث إنها تولد الشقاق والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، لقد رأينا على أرض الواقع الكثير من الأمثلة والنماذج كيف أن هذه الطائفية قد تسببت في الحروب الأهلية ودمرت حياة الملايين من الناس. لا ينبغي أن ندع المؤامرات والدسائس، التي تصدر من قِبل جماعات بعينها، تؤثر على السلام الداخلي والأمن القومي. كما يمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دورا قويا جدا في تعريف الناس بمخاطر الطائفية، وتثقيف الشباب وجعلهم في أوج الاستعداد دائما لمجابهة خطر الطائفية. إن الاستهداف المبطن الذي تمارسه تلك الجماعات يتطلب وجود حملات تثقيف عام صارمة، للحيلولة دون انتشار الفتن الطائفية، فنحن أحوج ما نكون الآن لوحدة الصف والعمل المشترك لمواجهة التحديات الماثلة أمام أمتنا العربية. يجب أن تظل عيون دول مجلس التعاون الخليجي متيقظة في كل الأوقات للحد من انتشار وباء الطائفية وتكاثر خلاياها البكتيرية الضارة بمجتمعاتنا وشعوبنا، فإن الأزمة في البحرين قد تنتشر إلى دول أخرى مجاورة مثل السعودية والكويت، كما تنتشر النار في الهشيم. ومع ذلك، فلقد شعرنا نحن أيضا بالصدمة حين علمنا أن بعض المنظمات غير الحكومية العاملة في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، تتآمر حاليا ضد البحرين، ولقد تم الكشف عن هذه الحقيقة مؤخرا من قبل القائد الأعلى لقوة دفاع البحرين، المشير الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، من خلال مقابلة له نشرتها صحيفة "الأيام" البحرينية. وكشف المشير عن حقائق تعلن للمرة الأولى، مفادها أن هناك حاليا 22 منظمة غير حكومية متورطة في هذه القضية وتعمل ضد مملكة البحرين، "تسعة عشر منها مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية وثلاثة في إحدى الدول الخليجية"، دون أن يشير إلى اسم تلك الدولة الخليجية. ومن المثير للسخرية أن تكون منظمات في دول الخليج جزء من مؤامرة لزعزعة استقرار البحرين رغم أن دول الخليج العربي من وضع خطة المارشال الخليجية في العام الماضي لمساعدة البحرين اقتصاديا. لقد ظلت دول الخليج العربي متقاربة وثبت ذلك في أوقات الضيق والشدة، يجب أن يكون هناك التزام من الجميع بالتعاون – بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأن تقف الدول الأعضاء صفا واحدا ضد كل التهديدات الداخلية والخارجية، فلا خير فينا إن لم نساعد بعضنا البعض في أوقات الحاجة والشدة. خالد عبد الرحيم السيد khalid@pen.com.qa
861
| 16 فبراير 2012
وجهت كل من روسيا والصين ضربة قوية للجهود الدولية الرامية لإنهاء العنف في سوريا عندما استخدمتا حق النقض "الفيتو" اعتراضا على مشروع قرار للأمم المتحدة يدعم خطة الجامعة العربية لحل الأزمة في سوريا من خلال "إصلاح في الخارطة السياسية السورية يقود إلى تغيير ديمقراطي وتداول سلمي للسلطة". وبرر السفير الروسي فيتالي تشوركين تصويت بلاده ضد القرار لكون مشروع القرار الحالي "يبعث برسالة غير متوازنة لأطراف الأزمة السورية"، وأنه لا يعبر عن الوضع هناك بالصورة الدقيقة المطلوبة، وأنه لم يتضمن أي اقتراح لوقف الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة ولا مدى ارتباطهم بالمتطرفين، وقال إن المشروع لم يأخذ بعين الاعتبار أن مطالبة الحكومة السورية بسحب قواتها يتم في "ظل استمرار الهجوم العسكري عليها" معتبرا أن المشروع "يقوض جهود تسوية الأزمة السورية سلميا". وفي الوقت نفسه دافع السفير الصيني لي باو دونغ عن قرار الصين باستخدام حق النقض "الفيتو" ضد مشروع القرار قائلا: إن بلاده دعت أيضا إلى وضع حد فوري لجميع أعمال العنف في سوريا ولكن يجب احترام سيادة البلاد واستقلالها وسلامة أراضيها. وقال إن "الصين ترى أنه في ظل الظروف الحالية، فإن ممارسة أي ضغوط على الحكومة السورية لا داعي لها لأنها لن تساعد في حل القضية السورية". وهذه هي المرة الثانية التي يستخدم فيها كلا البلدين حق النقض "الفيتو" ضد قرار للأمم المتحدة حول الأزمة السورية منذ أكتوبر من العام الماضي عندما قامت روسيا والصين أيضا باستخدام حق النقض "الفيتو" المزدوج لعرقلة إصدار مشروع قرار أوروبي كان قد صيغ لإدانة انتهاك حقوق الإنسان بسوريا، والذي كان قد اقترح أيضا فرض عقوبات عليها. باستخدامهما لحق النقض "الفيتو" فإن كلا من روسيا والصين قد أعادتا مرة أخرى تقسيم المجتمع الدولي وتقويض جهود الأمم المتحدة في وقت كانت فيه القوات السورية في مدينة حمص تعتدي على المحتجين هناك مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 شخص قبل ساعات فقط من التصويت على قرار الأمم المتحدة، مما اعتبر أحد أكثر الأيام دموية طوال فصل الربيع العربي. ووفقا لآخر الإحصاءات بعدد ضحايا أحداث العنف في سوريا التي أعلنها المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان نافي بيلاي في منتصف ديسمبر، فإن أكثر من 5000 شخص قد لقوا حتفهم جراء أعمال العنف في سوريا، وأنهم منذ ذلك الحين لم يتمكنوا من تحديث هذا الرقم "بسبب الأوضاع المظطربة على الأرض". وأيضا أعلن صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) مؤخرا، أن ما لا يقل عن 384 طفلا في سوريا قد قتلوا خلال انتفاضة الأشهر العشرة، في حين تم اعتقال نحو 380 طفلاً لم يبلغ غالبيتهم سن الرابعة عشرة. إن هذه الإحصاءات والأرقام المروعة ينبغي أن تدفع كلا من روسيا والصين كي يفكروا مليا في مدى تأثير قرارهم باستخدام حق النقض "الفيتو" على المئات من أرواح الأبرياء الذين قتلوا والآلاف المؤلفة من أولئك الذين ما زالوا يعانون من آثار الصدمات النفسية جراء أعمال العنف البشعة التي اجتاحت البلاد. إن دعم روسيا والصين المستمر للنظام السوري وخصوصا أنهما على دراية تامة وكاملة بأعمال العنف المستمرة التي ترتكب - ليس فقط ضد المدنيين، ولكن أيضا ضد الأطفال الأبرياء - في الواقع يجعل منهما شركاء في هذه الجريمة ضد الإنسانية. وكما قال السفير البريطاني مارك ليال غرانت، "أولئك الذين أعاقوا مشروع قرار مجلس الأمن يجب أن يسألوا أنفسهم: كم هي أعداد الوفيات القادمة التي سيكونون على استعداد لتحملها؟". إن روسيا والصين باستخدامهما لحق النقض "الفيتو" فإنهما تصبان الزيت على النار وتدفعان بسوريا أكثر فأكثر إلى شفا حرب أهلية بدلا من توفير حل سلمي للأزمة. ويبدو أيضا من خلال موقفهما الأخير أن قرارهما يشير بوضوح إلى أنهما معنيتان فقط بعلاقتهما مع نظام الرئيس الأسد وليس مع الشعب السوري، وخصوصا أنهما قد ضحيا بسمعتيهما في المجتمع الدولي من أجله. وينبغي لكل من روسيا والصين أن تتذكرا جيداً أن سوريا ليست الدولة الوحيدة التي تربطها مصالح اقتصادية أو سياسية معهما، فيبدو أنهما نسيا أو تناسيا أن لديهما أيضا علاقات قائمة مع دول أخرى لا تستطيع أن تتغاضى وتغض الطرف عن خطئهما الفادح باستخدام حق النقض "الفيتو". فعلى سبيل المثال، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الداعمة لمشروع قرار الأمم المتحدة الذي يتبنى خطة جامعة الدول العربية لديهم الكثير من العلاقات التجارية مع روسيا والصين. ووفقا للتقارير، فإن حجم التجارة الثنائية بين دول مجلس التعاون الخليجي والصين قد نما بنسبة عشرة أضعاف ليصل إلى مائة مليار دولار في العقد الماضي. كذلك قام رئيس مجلس الدولة بجمهورية الصين ون جيا باو بجولة خليجية شملت المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر الشهر الماضي، ووقعت خلال الزيارة العديد من اتفاقات التعاون التجاري والثقافي بالإضافة إلى التعاون في مجال البنية التحتية مع هذه الدول الخليجية الثلاث. ومن ناحية أخرى، ففي حين أن حجم التبادل التجاري بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي لم يمثل سوى ملياري دولار في عام 2008 قامت بعض شركات دول مجلس التعاون الخليجي بعدد من الاستثمارات في قطاعي الطاقة والتعدين الروسيين. وفي نوفمبر من العام الماضي عقد الاجتماع الوزاري الأول للحوار الاستراتيجي بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي في أبو ظبي، حيث دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى تحقيق أعلى مستوى في العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول مجلس التعاون الخليجي، حتى أنه قال: "إن روسيا يمكن أن تساهم في تحقيق رغبة دول مجلس التعاون الخليجي في تنويع العلاقات التجارية وفتح أبواب جديدة للاستثمار في قطاعي النفط والغاز وكذلك في مجال الطاقة النووية." ومع ذلك، فإن موقف روسيا والصين الأخير خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي يمكن أن يخلق انتكاسة وتراجعا عن الاتفاقات الاقتصادية المختلفة التي تمت في السابق بين روسيا والصين من جانب، ودول مجلس التعاون الخليجي من جانب آخر. إذا قمنا بتسليط المزيد من الضوء على الأوضاع الحالية فسيتضح جليا أن قرار استخدام حق النقض "الفيتو" من قِبل روسيا والصين تم اتخاذه لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وليس لأسباب إنسانية، وأنهما استخدمتا الوضع الحالي في سوريا فقط من أجل مصالحهما الذاتية دون أدنى اعتبار للجوانب الإنسانية في المسألة. وهناك نقطة مهمة لا بد من الإشارة إليها وهي أن سوريا أضحت هي الحليف الوحيد المتبقي لروسيا في منطقة الشرق الأوسط، لذلك قال مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والتكنولوجية (كاست) في روسيا، روسلان بوخوف، لوكالة اسوشيتد برس، أنه " ليس هناك معنى لأن تتخلى روسيا عن دعمها للأسد، فهو الحليف الأخير المتبقي في الشرق الأوسط لروسيا، والذي سيتيح لها فرصة المحافظة على بعض النفوذ في المنطقة ". هذا بالإضافة إلى أن سوريا تعتبر أيضا المشتري الرئيس لصادرات الأسلحة الروسية، ووفقا للتقارير، فلقد طلبت سوريا في الثاني والعشرين من يناير الماضي شراء 36 طائرة مقاتلة من طراز ياك - 130 بقيمة 550 مليون دولار حسبما جاء في صحيفة "كومرسانت" الروسية. كما تحتفظ روسيا بقاعدة بحرية في ميناء طرطوس السوري. أما بالنسبة للصين فوفقا لبيانات إحصائية صادرة عن المفوضية الأوروبية أتت سوريا كثالث أكبر مستورد للمنتجات الصينية للعام 2010, كما تعتبر شركة البترول الوطنية الصينية أيضا ثالث ثلاثة شركاء في مشروع شركة نفط الفرات - وهي المجموعة الرئيسية المنتجة للنفط في سوريا - مع كل من الشركة الوطنية السورية للنفط وشركة رويال داتش شل، كما تساعد الصين أيضا سوريا في تشييد بعض مشاريع البناء. إنه لمن العار أن تبحث كل من روسيا والصين عن مصالحهما بدلا من اهتمامهما بالإنسانية التي يتم نحرها بصورة يومية تقريبا. إن قرارهما الأخير بتعطيل مشروع قرار الأمم المتحدة يشير إلى أنهما - روسيا والصين - مستعدتان للتضحية بعلاقتهما مع كل حلفائهما الآخرين وأصدقائهما من أجل رجل واحد. خالد عبد الرحيم السيد khalid@pen.com.qa
516
| 09 فبراير 2012
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
4512
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...
4059
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...
2112
| 05 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...
939
| 11 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...
783
| 05 مايو 2026
تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...
777
| 07 مايو 2026
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...
756
| 07 مايو 2026
منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...
723
| 08 مايو 2026
اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...
582
| 09 مايو 2026
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...
567
| 07 مايو 2026
في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد...
465
| 06 مايو 2026
زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى،...
444
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية